القصة الكاملة لـ”فحص زيتون الجنوب” بعد القصف… الأمطار أبرز المنقذين

رغم القصف الإسرائيلي الذي طال مناطق واسعة من جنوب لبنان، كشفت فحوص مخبرية أجرتها وزارة الزراعة اللبنانية على عينات من زيت الزيتون نتائج مطمئنة، إذ لم تُظهر الاختبارات وجود تلوث جرثومي أو معادن ثقيلة أو مواد مشعة في العينات التي تم فحصها، في وقت أثارت فيه تداعيات الحرب تساؤلات بشأن سلامة الإنتاج الزراعي، ولا سيما في المناطق الحدودية التي شهدت عمليات عسكرية وقصفاً متكرراً.
وكشف رئيس مصلحة النبطية في وزارة الزراعة، حسين السقا، عن تفاصيل خطة نفذتها الوزارة لجمع عينات من زيت الزيتون المنتج في مناطق جنوبية مختلفة، بما فيها بلدات قريبة من مواقع القصف الإسرائيلي، بهدف التحقق من سلامته والكشف عن أي آثار محتملة للمواد الملوثة الناجمة عن الحرب.
ويوضح السقا أن وزارة الزراعة جمعت 20 عينة من زيت الزيتون، بصورة عشوائية، من معاصر تستقبل محاصيل المزارعين في مناطق مختلفة من الجنوب، مشيراً إلى أن العينات خضعت لفحوص فيزيائية وكيميائية وجرثومية، إلى جانب اختبارات للكشف عن المعادن الثقيلة والمواد المشعة.
وأكد أن النتائج جاءت ممتازة، ولم تُظهر وجود أي مشكلات في العينات التي خضعت للفحص، معتبراً أن هذه النتائج تتوافق مع طبيعة الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية والظروف المناخية التي شهدتها المنطقة.
من الحدود إلى الداخل.. كيف جُمعت العينات؟
وفي تفاصيل العملية، أوضح السقا أن وزارة الزراعة وضعت، بتوجيهات من الوزير، خطة لجمع عينات من زيت الزيتون في 12 تشرين الاول الفائت على أن تُرسل إلى المختبر في اليوم التالي، بعد حفظها وفق الإجراءات اللازمة.
وأشار إلى أن عملية جمع العينات جرت بصورة عشوائية من المزارعين الذين كانوا يحضرون محاصيل الزيتون إلى المعاصر، بهدف الحصول على عينات من مناطق جغرافية متعددة، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف أو تقع بالقرب من مواقع الاستهدافات الإسرائيلية.
ولفت إلى أن الفرق المختصة بدأت عملها من الخط الحدودي الجنوبي، وتحديداً من المناطق الواقعة ضمن ما يُعرف حالياً بـ”الخط الأصفر” المُحتل الذي أنشأته إسرائيل في جنوب لبنان، حيث شملت عملية جمع العينات بلدات ياطر وكفرا وتبنين وصفد البطيخ ومجدل سلم.
وأضاف أن الفرق انتقلت أيضاً باتجاه مناطق داخلية، شملت خربة سلم وبرج قلاويه ومناطق أخرى، في حين تولت مجموعات إضافية جمع عينات من أنصار والدوير ومحيطهما.
كذلك، شملت العملية مناطق حاصبيا وعدداً من قرى مرجعيون، بينها دير ميماس وإبل السقي، إلى جانب معاصر تقع في محيط “الخط الأصفر”.
وبحسب السقا، فإن توزيع الفرق على هذه المناطق هدف إلى توسيع النطاق الجغرافي للفحوص، وعدم حصرها في منطقة واحدة، خصوصاً أن طبيعة الأضرار الناجمة عن الحرب تختلف بين بلدة وأخرى.
وأكد أن الوزارة جمعت في نهاية العملية 20 عينة من زيت الزيتون، أُرسلت إلى المختبر الشهر الماضي، بعدما جرى حفظها بصورة سليمة لضمان سلامتها خلال النقل.
فحوص شاملة.. ماذا كشفت النتائج؟
وفي ما يتعلق بطبيعة الاختبارات، أكد السقا أن الفحوص لم تقتصر على تحديد جودة زيت الزيتون، بل ركزت بصورة أساسية على البحث عن أي آثار تلوث محتملة ناجمة عن القصف الإسرائيلي.
وأوضح أن العينات خضعت لفحوص فيزيائية وكيميائية وجرثومية، إضافة إلى اختبارات للكشف عن المعادن الثقيلة وأي مواد مشعة قد تكون موجودة فيها.
وقال إن الوزارة أرادت إجراء فحوص شاملة للتحقق من احتمال وجود مواد غير مرغوبة في الزيت نتيجة الحرب، مشيراً إلى أن النتائج النهائية لم تُظهر أي مشكلة في العينات المفحوصة.
وشدد على ضرورة التمييز بين فحوص السلامة والفحوص المتعلقة بتصنيف زيت الزيتون، موضحاً أن الوزارة لم تكن تبحث عما إذا كان الزيت بكراً أو بكراً ممتازًا، بل عن احتمال وجود تلوث جرثومي أو معادن ثقيلة أو أي ترسبات غير مرغوبة مرتبطة بالقصف.
وأكد أن النتائج كانت ممتازة، ولم تُظهر وجود أي من المشكلات التي استهدفتها الفحوص، معتبراً أن ذلك يشكل مؤشراً مطمئناً بالنسبة إلى العينات التي جرى اختبارها.
سرية تامة.. حتى الوزير لم يعرف مصدر العينات
وفي سياق متصل، كشف السقا عن إجراءات اتُّبعت لضمان حيادية الفحوص وصدقية نتائجها، مؤكداً أن العينات أُرسلت إلى المختبر بصورة مرمزة، من دون ذكر أسماء البلدات التي أُخذت منها.
وأوضح أن العاملين في المختبر لم يكونوا يعرفون المصدر الجغرافي لكل عينة، كما أن وزير الزراعة نزار هاني نفسه لم يكن على علم بدلالات الرموز المستخدمة.
وأشار إلى أنه كان الشخص الوحيد الذي يحتفظ بالمعلومات التي تربط كل عينة بالمنطقة التي جُمعت منها، بهدف منع أي تأثير مسبق في عملية الفحص أو تفسير النتائج.
واعتبر أن هذه الإجراءات عززت صدقية الاختبارات، خصوصاً أن النتائج استندت إلى فحوص مخبرية أُجريت وفق المعايير المعتمدة، بعيداً عن أي تقديرات أو انطباعات مرتبطة بالمناطق التي شهدت عمليات عسكرية.
أما بشأن الأسباب التي قد تفسر عدم ظهور مؤشرات تلوث في العينات المفحوصة، فأوضح السقا أن الاعتقاد بأن القصف الإسرائيلي طال كل الأراضي الزراعية في جنوب لبنان بصورة مباشرة لا يعكس الواقع الميداني.
وأشار إلى أن الضربات الإسرائيلية استهدفت مراكز ومنازل ومواقع محددة، ولم تشمل كل متر من الأراضي الجنوبية، ما يعني أن مساحات واسعة من البساتين لم تتعرض للاستهداف المباشر.
وقال إن الأضرار التي لحقت ببساتين الزيتون كانت في كثير من الحالات أضراراً جانبية، ناجمة عن القصف الذي طال مواقع قريبة منها، وليس عن استهداف البساتين نفسها.
ولفت إلى أن بعض الأراضي الزراعية تعرضت للدخان والغبار والمواد المتطايرة بفعل الانفجارات، إلا أن ذلك يختلف عن تعرض الأشجار والأراضي لضربات مباشرة.
وفي المقابل، أكد أن البساتين التي تعرضت للقصف المباشر تكبدت خسائر فعلية، إذ تعذر على المزارعين قطاف الزيتون منها، ما أدى إلى ضياع المحصول والموسم الزراعي.
وشدد السقا على أن التمييز بين الأضرار المباشرة وغير المباشرة ضروري لفهم نتائج الفحوص، خصوصًا أن حجم التأثير يختلف بحسب موقع البستان وطبيعة الاستهداف الذي تعرض له.
وإلى جانب طبيعة القصف، تحدث السقا عن عامل مناخي يعتبره أساسياً في تفسير النتائج، يتمثل في الأمطار المتكررة التي شهدتها المناطق الجنوبية خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن تساقط الأمطار ساهم في غسل أشجار الزيتون عدة مرات، بما قد يكون أدى إلى إزالة الغبار والمواد العالقة على الأشجار نتيجة القصف الذي طال مناطق مجاورة.
وأشار إلى أن الجنوب شهد هطولاً متكرراً للأمطار منذ بداية الموسم، الأمر الذي ساعد في غسل الأشجار بصورة طبيعية.
واعتبر أن اجتماع عاملين، هما عدم تعرض جميع البساتين للقصف المباشر وتكرار هطول الأمطار، يساعد في تفسير النتائج المخبرية التي لم تُظهر مشكلات في العينات التي جرى جمعها.
ومع ذلك، فإن تفسير دور الأمطار في غسل الأشجار لا يعني بالضرورة إزالة جميع أشكال التلوث المحتملة من التربة أو البيئة الزراعية، إذ إن نتائج الفحوص التي تحدث عنها السقا تتعلق بعينات الزيت المختبرة تحديداً.
وتأتي هذه النتائج في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي في جنوب لبنان تداعيات واسعة للحرب الإسرائيلية، سواء نتيجة الأضرار التي لحقت بالأراضي والبساتين أو تعذر وصول المزارعين إلى ممتلكاتهم في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية.
وفي هذا السياق، يبرز التمييز بين سلامة المنتج الزراعي من جهة، والخسائر الاقتصادية والإنتاجية التي تكبدها المزارعون من جهة أخرى، إذ إن عدم ظهور مؤشرات تلوث في عينات زيت الزيتون لا يلغي الأضرار التي أصابت البساتين أو خسارة المحاصيل في الأراضي المستهدفة.
كذلك، فإن نتائج العينات العشرين لا يمكن تعميمها تلقائياً على جميع كميات زيت الزيتون المنتجة في الجنوب، لكنها تقدم معطيات مخبرية بشأن العينات التي شملتها خطة وزارة الزراعة.
وبحسب السقا، فإن الهدف الأساسي من العملية كان التحقق من احتمال انتقال أي آثار غير مرغوبة ناجمة عن الحرب إلى زيت الزيتون، لا تقييم حجم الخسائر الزراعية أو تحديد التصنيف التجاري للزيت.
وهكذا، فإن النتائج التي أعلنتها مصلحة النبطية في وزارة الزراعة تقدم مؤشرات مطمئنة بشأن سلامة العينات المفحوصة، رغم استمرار التداعيات التي خلّفها القصف الإسرائيلي على القطاع الزراعي في جنوب لبنان، وما يرافقها من تحديات تتعلق بحماية الأراضي والمحاصيل واستمرار الإنتاج.
المصدر: لبنان ٢٤




