Featuredأخبار محلية

من 13% إلى 95%… زوطر الشرقية تُدمَّر رغم اتفاق الإطار

كان من المفترض أن يمنح اتفاق الإطار أهالي زوطر الشرقية ضمانةً لوقف الحرب والتدمير، غير أن ما حصل كان العكس تماماً. فمن 13 في المئة، ارتفعت نسبة الدمار إلى 95 في المئة منذ وقف الحرب حتى اليوم، ومعها ارتفع وجع الأهالي، وهم يرصدون منازلهم تتهاوى أمام أعينهم، منزلاً تلو الآخر، وكأن الروح تسقط مع كل حجر يُدمَّر.

عند ساحة زوطر الغربية، المواجهة مباشرة لزوطر الشرقية، يقف الأهالي يراقبون ويرصدون تحركات المحتل، ويتأملون تفاصيل كل حيّ وحارة وشجرة وزيتونة تُقتلع، «وكأن القلب يُقتلع من مكانه». لا يُحسد هؤلاء على واقعهم؛ فهم يروون ما يحصل بوصفه «قتلاً بطيئاً لحياتهم»، ويعتبرون أن «الجميع تخلّى عنهم، بدءاً من الدولة اللبنانية».

حين يصبح التدمير مشهداً يومياً

قد تكون مجزرة تدمير حيّ العظم في زوطر الشرقية، حيث ينتمي جميع سكانه إلى زوطر الغربية، الأقسى والأعنف والأخطر. فقد رسّخت قاعدة خطيرة يتبعها المحتل: «نقتل حياتكم على مرأى منكم». وأكثر من ذلك، يفسّر الأهالي ما يحصل بأنه محاولة متعمّدة لإيذائهم نفسياً وتحطيم معنوياتهم.

حسن علو: نرى أعمارنا تتحول إلى ركام

أمام حيّه، يقف حسن علو، يتأمل منزله الذي لم يسكنه بعد. يعتصر قلبه ألماً، ويقول: «مش سهلة تشوف بيتك عم يتدمّر أمامك». تخذله دموعه وهو يراقب، لا مجرد دمار حيّه، بل يرى فيه «وجعاً لا يوصف»، ويصف ما يحصل بأنه «النكبة».

اكتشاف المزيد
أخبار لبنان
اخبار لبنان
أخبار العالم
عند تخوم منزله، توقفت آليات المحتل، وجرفت أكثر من عشرة منازل في أقل من أربع ساعات، ومعها جرفت حياة أبناء زوطر الغربية كما الشرقية. تكاد كلماته أن تخنقه. لا يبتعد منزله الذي كان يريد تجهيزه قبل الحرب سوى «200 متر وعمر وحياة»، بحسب تعبيره.

ما يوجعه، كما يقول، «أننا لا نعرف إن كنا في حالة حرب أم سلم، ولكن ما هو ظاهر أننا في حالة تدمير ممنهج، على مرأى من كل أجهزة الدولة، لمنازلنا وأحيائنا ومحالنا وحياتنا، ولم يتحرك أحد، ولم يوقف أحد هذه الإبادة لقريتنا».

هو واقع صعب، بل يضيف إليه حسن بُعداً آخر من الألم: «واقع شديد الألم. تقف، وتتذكر كل تفاصيل الحياة؛ جلسات البرندة، وسهرات العائلة، وتستعيد الصور، ومعها تستعيد عمراً أصبح ركاماً».

كانت روحي تسقط مع كل حجر

يتعمّد المحتل تدمير المنازل أمام أعين الأهالي، ويصرّ على إحداث وجع نفسي لا يُنسى. مع كل حجر يسقط، «كانت تسقط روحي وقلبي». هذا ما يقوله محمد درويش، الذي يقف في ساحة زوطر الغربية متأملاً منزله الذي بات ركاماً. يروي: «رأيت آليات العدو كيف كانت تسقط جدران حياتي أمامي. تتهاوى روحي مع كل حجر، وأختنق مع كل ضربة للمنزل. هو الشعور الأقسى الذي عشته، ولا يمكن وصف ما تشعر به. تقف وتنظر، كأن هناك منزلاً، وفجأة، بضربة من آلية المحتل، يتحول إلى ركام. هكذا تُدمّر حياتنا، بوجع لا يمكن وصفه. هذا الوجع ربما لم يشعر به أحد من مسؤولي الدولة».

زيارات المسؤولين لم توقف التفجير والتجريف

زيارات عديدة شهدتها زوطر الغربية لمسؤولين رفيعي المستوى، حتى إن رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس الجمهورية زارا البلدة واطّلعا على واقع جارتها زوطر الشرقية. لكن هذا الاطلاع لم يدفع باتجاه وقف التفجيرات والتدمير والغارات. على العكس، مع كل زيارة، كانت حدة التفجيرات والتدمير ترتفع.

طرق عسكرية ومخططات تتجاوز التدمير

في الآونة الأخيرة، رفع المحتل منسوب اعتداءاته، وراح يشق طرقات حديثة ويستحدث ممرات عسكرية، مع تكثيف التفجيرات والتجريف، في سعي واضح لتحويل زوطر الشرقية إلى ركام، تمهيداً لمخطط عسكري أكثر خطورة، فهي تشكّل ممراً باتجاه ميفدون، وكذلك نحو النبطية الفوقا. مخططات خطيرة تترافق مع تصاعد وتيرة التهديدات والتلويح بعودة الحرب في أي لحظة.

تضع هذه المخططات حياة الأهالي تحت جمر القتل البطيء. يقول علو: «يتعمّد المحتل تدمير منازلنا أمامنا بهدف تدمير نفسيتنا، وقد نجح فعلاً. كان بإمكانه تفجيرها في لحظة، لكنه يتعمّد تدميرها حجراً حجراً، ليوجعنا أكثر».

وجع يتجاوز حدود البلدة الواحدة

إنه فيلم «وجع زوطر الشرقية»، يوم قتلت إسرائيل حيّاً بكامله، ولم يتحرك أحد لوقف تلك الإبادة. أبناء زوطر الغربية آلمهم المشهد، «تشعر وكأنك تُذبح بسكين سامّة». هكذا يصف محمد مصطفى المشهد بين زوطر الغربية والشرقية، حاكياً عن بلدة واحدة، بحدود متداخلة وحياة مشتركة: «الحيّ الذي جُرّف سكانه من بلدتنا، هم أهلنا. رأيت دموعهم تسقط، وحرقة قلوبهم وهم يشاهدون حياة تعب السنين تُجرف في لحظات. مشهد يختصر وجع الجنوب كله، الذي يُجرف ويُدمّر ويُفجّر ويُرمّد، ولا من يحرّك ساكناً».

يتحدث الأهالي هنا عن الأبعاد المعنوية لما حصل، وعن أثره النفسي عليهم، مشيرين إلى أن «الناس قد لا تحتمل قلوبهم هذا الألم، وقد يموتون قهراً».

اتفاق الإطار أمام سؤال التهجير

تتحرك آليات المحتل، ومعها تتحرك القلوب: أيّ حيّ سيُدمّر؟ وأيّ منزل سيُجرف؟ باتت مجرد حركة الآليات توجع الناس، وتترك خلفها أسئلة كثيرة: لماذا لم يمنع اتفاق الإطار هذا المشهد؟ وأكثر من ذلك، يردّد الأهالي هنا: «بعد الحرب دُمّرت قرانا ورُمّدت. هل هذا متفق عليه؟ يريدون للجنوب أن يصبح رماداً ليهجّرونا منه. وكيف يمكن أن نفسّر ما يحصل غير ذلك؟».

دمّرت قوات الاحتلال زوطر الشرقية بالتجريف والتفجير، وحوّلتها إلى بلدة ممسوحة، على غرار جاراتها يحمر وأرنون وكفرتبنيت. تدمير يحمل في طياته أبعاد احتلال طويل وتهجير أطول، ومعه وجع لا يمكن للسنين الطويلة أن تمحوه.

ما السيناريو التالي؟

رنا جوني – المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |