أخبار محلية

فضل الله يهاجم المحاصصة… الكفاءات تُقصى والفساد يتوسّع

انتقد العلّامة السيد علي فضل الله استمرار المحاصصة وتقاسم النفوذ في تولّي المسؤوليات والمراكز في لبنان، محذّرًا من خطورة اختراق بعض مفاصل الدولة من قبل أشخاص ينتحلون صفات رسمية وأمنية، ويتمكّنون من الوصول إلى مواقع حساسة وإقامة علاقات داخل الأوساط السياسية والقضائية والأمنية، مطالبًا بإجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين، وداعيًا الحكومة إلى الانتقال من إدارة الأزمة المعيشية إلى معالجتها بصورة جدّية.

وجاءت مواقف فضل الله خلال لقاء حواري عقده في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، تحت عنوان “سلاح الصبر في مواجهة التحديات”، حيث تناول، في معرض إجابته عن أسئلة تتعلق بالمستجدات في لبنان والمنطقة، ملفات الفساد والمحاصصة والوضع الأمني والأزمة المعيشية.

وفي ردّه على سؤال بشأن مدى اعتماد مبدأَي الكفاءة والأمانة في الواقع الحالي، شدّد فضل الله على ضرورة ترسيخ هاتين القيمتين في المجتمع، معتبرًا أنهما “ليستا خيارًا ثانويًا، بل واجب يفرضه تحمّل المسؤوليات”.

وأوضح أن المجتمع الذي يُقصي أصحاب الكفاءات ويُفضّل عليهم غير المؤهّلين إنما يُضعف نفسه بنفسه ويفتح أبواب الفساد أمامه، مشيرًا إلى أن الفساد لا يقتصر على سرقة الأموال، بل يشمل أيضًا حرمان صاحب الكفاءة من حقّه لعدم امتلاكه واسطة، وتقديم غير المؤهّل بسبب نفوذه، ما يؤدّي إلى إفساد العمل والعجز عن أداء الدور المطلوب.

وأعرب عن أسفه لاستمرار سيطرة مبدأ “المحاصصة وتقاسم الجبنة” على الواقع اللبناني، وتحكّمه بمسار تولّي المسؤوليات والمراكز، الأمر الذي يؤدّي إلى استبعاد العديد من أصحاب الكفاءات، ويدفع بعضهم إلى مغادرة الوطن والهجرة بحثًا عن فرص تتيح لهم الاستفادة من قدراتهم وخبراتهم.

وفي سياق متصل، تطرّق فضل الله إلى ظاهرة انتحال الصفات الرسمية والأمنية، وما تكشفه من قدرة بعض الأشخاص على الوصول إلى مواقع ومراكز حساسة، معربًا عن أسفه لتكرار هذه الحالات.

واعتبر أنه “من المحزن أن نكتشف بين الحين والآخر أشخاصًا استطاعوا خداع كثيرين، والوصول إلى مواقع حساسة، وإقامة علاقات مع شرائح واسعة من الطبقة السياسية والقضائية والأمنية في هذا الوطن”.

وأشار إلى أن هذه الوقائع تكشف مدى سهولة اختراق بعض مفاصل المنظومة من قبل أشخاص لا يريدون الخير للبنان، مشدّدًا على ضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الاختراقات، منعًا لتكرار ظواهر تشكّل خطرًا على أمن الوطن وسمعته.

وعن تزايد عمليات التشليح والسرقات، أكد فضل الله ضرورة تقدير الجهود التي تبذلها القوى الأمنية لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، التي باتت منتشرة في مناطق لبنانية عدّة.

ودعا الدولة إلى تعزيز إمكانات القوى الأمنية وقدراتها لتمكينها من أداء الدور المطلوب، كما حثّ مختلف القوى الفاعلة على الأرض على دعم هذه الأجهزة ومساندتها في حماية الأمن الاجتماعي وصون سلامة المواطنين وممتلكاتهم.

وفي الشأن المعيشي، شدّد فضل الله على ضرورة أن تضع الحكومة المسألة الاجتماعية في صدارة أولوياتها، وأن تنتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى معالجتها بصورة جدّية، من خلال وضع برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل قادر على مواجهة التحديات المتفاقمة وتلبية المطالب المحقّة للمواطنين.

وأكد أن الدولة تمتلك الإمكانات والموارد التي تتيح لها معالجة الأوضاع القائمة، إذا أحسنت إدارة أموالها والاستفادة من مقدّراتها، معتبرًا أنه “لم يعد مقبولًا التعامل مع الأزمة المعيشية وكأنها أزمة عابرة يمكن احتواؤها بتدابير مؤقتة أو عبر تجزئة الملفات”.

ولفت إلى أن المواطن اللبناني، الذي أنهكته الأزمات المتلاحقة وتآكلت قدرته الشرائية، وفقدت رواتبه ومدّخراته وتعويضاته الكثير من قيمتها، بات يواجه صعوبات متزايدة في تأمين أبسط مقوّمات العيش الكريم، ما يستدعي تحرّكًا حكوميًا مسؤولًا يضع كرامة الإنسان وحقوقه الاجتماعية في مقدّمة الاهتمامات.

وكان فضل الله قد استهلّ اللقاء بالحديث عن أهمية الصبر في مواجهة التحديات، مشيرًا إلى مكانته في القرآن الكريم وكثرة الآيات التي تتناوله، حتى إنه لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن من ذكره، ومعتبرًا أنه طاقة وملكة يكتسبها الإنسان المؤمن بالتدريب والتعلّم، ويستمدّها من دروس العبادات، ولا سيما الصوم.

وأوضح أن الصبر يساعد الإنسان على مواجهة التحديات من دون سقوط أو انهزام، وعلى التمسّك بدينه وقيمه، كما أنه ضروري في الدعوة إلى الله حتى لا يتراجع تحت ضغط المعاندين والجاهلين والحاقدين، فضلًا عن دوره في حفظ حرية الإنسان واستقلالية قراراته ومواقفه، وتحقيق طموحاته وأحلامه مهما عظمت التحديات وطالت.

وحذّر من فهم الصبر على أنه دعوة إلى الخنوع والخضوع وقبول الأمر الواقع، حتى لو كان ظالمًا أو فاسدًا أو طاغيًا، مؤكدًا أنه يعني الثبات على الحق والعدل والقيم والمبادئ وعدم التراجع عنها.

وشدّد على ضرورة الإصرار على البقاء أعزّاء وأحرارًا رغم الإغراءات والتهويل والتخويف، موضحًا أن الصبر ليس هدفًا بحدّ ذاته، بل وسيلة لتجاوز الابتلاءات والصعوبات، والتفكير بهدوء ورويّة لاتخاذ القرار الصائب والموقف الحق والسير في الاتجاه الصحيح.

وأشار إلى أن اكتساب هذه القيمة يتطلّب مجاهدة النفس وتدريبها على عدم الاستجابة لكل رغباتها أو الاندفاع وراءها نحو المخاطر، مؤكدًا أن الصبر يعزّز الثبات على المواقف، ويمنع التصرّف بدافع التوتر والعصبية والانفعال أو الخضوع للخوف والتهويل والتهديدات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |