Featuredأخبار محلية

تفكيك “الدويلة”… لماذا أدرجت الكويت مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب؟

قرار كويتي غير مسبوق وضع مستشفيات لبنانية على لوائح مكافحة الإرهاب، مما أثار صدمة رسمية في بيروت ومخاوف جدية على مستقبل النظام الصحي اللبناني.

في المقابل، اعتبرت الكويت الإجراء التزاماً قانونياً بقرارات الشرعية الدولية، فيما ربطته أوساط سياسية بسياق ضغط إقليمي أوسع على النفوذ الإيراني في لبنان.

يبدو أن تفكيك “الدويلة” التي بناها “حزب الله” على مدى عقود طويلة لم يعد مجرّد مطلب سياسي داخلي أو شعار سيادي لبناني، بل بدأ يتحوّل سريعاً إلى مطلب دولي يُنفَّذ بالأدوات القانونية والمالية، ويتقدم من ملف إلى آخر. فبعد أعوام من الضغوط الهادفة إلى تفكيك منظومته العسكرية، ثم الانتقال إلى تضييق الخناق على منظومته المالية وشبكات تمويله، بدأت تلوح في الأفق مرحلة جديدة من الضغط تتجاوز السلاح والمال، لتطاول ما كان الحزب يعتبره خط الدفاع الاجتماعي الأخير: منظومته الصحية، وربما لاحقاً منظومته التربوية.

فالحزب، وفق تقارير دولية وإقليمية نُشرت خلال الأعوام الماضية، لم يكتفِ ببناء قوة عسكرية موازية للدولة، بل شيّد بنية خدماتية متكاملة تشمل مستشفيات، ومؤسسات اجتماعية، ومدارس، وجمعيات خيرية، وصناديق دعم، مما أتاح له تكريس نموذج “الدولة داخل الدولة”.

هذه المنظومة، بحسب مصادر غربية وخليجية، ارتكزت على دعم مالي إيراني مباشر، وعلى موارد أخرى تشير تقارير استخباراتية ومالية إلى ارتباطها باقتصادات موازية وتجارات غير مشروعة عابرة للحدود، من المخدرات إلى التهريب وتبييض الأموال.
ومع تطور المقاربة الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، لم تعد الأنظار تقتصر على الحسابات المصرفية أو الجمعيات الخيرية التقليدية، بل باتت “القطاعات المدنية” نفسها موضع تدقيق، انطلاقاً من فرضية تقول إن المؤسسات الصحية أو التربوية يمكن أن تتحول، في بيئات النزاع، إلى واجهات مالية، أو قنوات تبييض أموال، أو أدوات لتدوير التمويل وتأمين الغطاء الاجتماعي لتنظيمات مصنّفة إرهابية.

في هذا السياق تحديداً، بدأت إجراءات عقابية جديدة تتعامل مع تلك المؤسسات لا بوصفها مرافق خدماتية بحتة، بل باعتبارها جزءاً من البنية المالية الداعمة للتنظيم العسكري.

الركيزة الاستشفائية

ضمن هذا المسار، أصدرت وزارة الخارجية الكويتية تعميماً رسمياً أدرجت بموجبه ثمانية مستشفيات لبنانية على “القائمة الوطنية للإرهاب”، في خطوة وُصفت في بيروت بأنها غير مسبوقة، لأن الاستهداف هذه المرة لم يطل أفراداً أو جمعيات أو شركات، بل مؤسسات استشفائية تُشكّل جزءاً أساساً من النظام الصحي اللبناني، وتضم هذه القائمة، بحسب المعطيات الرسمية الكويتية، نحو 150 فرداً وكياناً من جنسيات مختلفة، جرى إدراجهم خلال أعوام في إطار تنفيذ التزامات الكويت الدولية في مكافحة الإرهاب وتمويله.

وتشمل المستشفيات المدرجة: مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي في النبطية (جنوب)، مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل (جنوب)، مستشفى الأمل في بعلبك (شرق)، مستشفى سان جورج في الحدث (إحدى ضواحي بيروت)، مستشفى دار الحكمة في بعلبك، مستشفى البتول في الهرمل (شرق)، مستشفى الشفاء في خلدة (جنوب بيروت)، ومستشفى الرسول الأعظم (الضاحية الجنوبية لبيروت).

وعلى رغم أن التعميم الكويتي، وفق ما نُقل في التغطيات الإعلامية، لم يذكر “حزب الله” بالاسم فإن سبعة من هذه المستشفيات تُعدّ، بحسب مصادر صحية وسياسية لبنانية، العمود الفقري لمنظومته الاستشفائية، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو طبيعة الإدارة أو شبكة التمويل والدعم.

نبيه بري أيضاً؟

غير أن إدراج مستشفى “الأمل” في بعلبك فتح باباً إضافياً للنقاش السياسي، بعدما أشارت معلومات متداولة في بيروت إلى أن هذا المستشفى يُعد قريباً من “حركة أمل” التي يترأسها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.

هذا المعطى دفع بعض الأوساط السياسية إلى التساؤل عمّا إذا كانت الخطوة الكويتية تحمل رسالة مزدوجة للثنائي الشيعي، تتجاوز “حزب الله” لتشمل حلفاءه التقليديين، في لحظة إقليمية يُعاد فيها رسم خطوط التسامح الدولي مع البنى السياسية والعسكرية المرتبطة بإيران.
مصادر سياسية متابعة للملف ربطت هذه القراءة بسياق أوسع من مجرد مستشفى أو اثنين، مشيرةً إلى أن الدول الخليجية، وفي مقدمها الكويت، باتت تعتمد مقاربة أكثر تشدداً في ما يخص أي كيان يُشتبه في ارتباطه، المباشر أو غير المباشر، بمنظومات مصنّفة “إرهابية”، بغضّ النظر عن الغطاء السياسي أو التاريخي الذي كان يوفر له هامش مناورة في السابق.

القرار الأممي

ووفق مصدر دبلوماسي مقرب من السفارة الكويتية في بيروت، فإن فهم القرار الكويتي يستدعي التوقف عند الإطار القانوني الذي يحكمه، فالكويت تعتمد آلية مؤسساتية يقودها ما يُعرف بـ”اللجنة الخاصة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن”، وهي لجنة متعددة الجهات تضم ممثلين عن الخارجية والداخلية والمالية والجهات الرقابية، وتعمل على تطبيق القرارات الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما تلك المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويله.

وبحسب المصدر فإن القرار الوزاري رقم 141 لعام 2023، تُعرَّف “القائمة الوطنية” بأنها قائمة لمكافحة الإرهاب تُعدّها اللجنة الخاصة وتشمل أشخاصاً أو مجموعات أو كيانات متى توافرت أسباب معقولة للاعتقاد بارتباطها بعمل إرهابي، سواء عبر التنفيذ أو المشاركة أو التسهيل أو التمويل.

هذه الصياغة الفضفاضة نسبياً تفتح الباب قانونياً أمام إدراج أشخاص اعتباريين، أي مؤسسات وشركات وجمعيات، وليس أفراداً فقط.

ويشير إلى أن القرار الوزاري رقم 8 لعام 2025، وهو اللائحة التنفيذية، يذهب أبعد من ذلك، إذ يحدد آليات التطبيق العملي، ويُعرّف عبارة “من دون تأخير” بأنها التنفيذ خلال 24 ساعة من صدور الإدراج، ويوسّع تعريف “الشخص” ليشمل الطبيعي والاعتباري.

ووفق هذه اللائحة، تترتب على الإدراج عقوبات مالية مستهدِفة، أبرزها التجميد الفوري للأموال والموارد الاقتصادية، وحظر تقديم أي أموال أو خدمات مالية أو موارد لمصلحة الكيان المدرج، مع إلزام الجهات المنفذة بإبلاغ اللجنة خلال 24 ساعة عن أي إجراء أو محاولة تعامل.

بيروت تطلب توضيحات

في المقابل، جاء الموقف اللبناني الرسمي متوتراً وحذراً في آن، فقد عبّرت وزارة الصحة العامة اللبنانية في بيان عن “مفاجأة كبيرة”، مؤكدة أنها لم تتلقَّ أي إخطار أو تشاور سابق من الجانب الكويتي، وأعلنت نيتها طلب توضيحات رسمية.

وشددت الوزارة، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، على أن المستشفيات المعنية هي مؤسسات خاصة مرخّصة، ومسجّلة ضمن نقابة المستشفيات الخاصة، وتقدّم خدماتها لجميع اللبنانيين من دون تمييز.
غير أن المخاوف لا تتوقف عند حدود البيانات، فخبراء في الشأن المالي يحذرون من أن إدراج مستشفيات على لوائح مكافحة الإرهاب يفتح الباب أمام ظاهرة “الإفراط في الامتثال”، حيث قد تُحجم المصارف وشركات التأمين والمورّدون عن التعامل مع هذه المؤسسات، حتى في الأمور الطبية البحتة، خشية التعرض للمساءلة القانونية.

وفي بلد يعاني أصلاً انهياراً مالياً ونقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، قد يتحول القرار إلى ضربة قاسية للنظام الصحي برمّته، لا للمستشفيات الثمانية وحدها

Independent- طوني بولس


زر الذهاب إلى الأعلى