شيباني يغادر لبنان بالتوقيت الإيراني؟

منذ إطلاقه مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعد ثمانية أيام من دخول الحزب على خط الحرب الاميركية-الإسرائيلية ضد طهران فجر 2 آذار، حََصد رئيس الجمهورية جوزف عون ردّاً إسرائيلياً فورياً ببدء عملية توغّل برّي جنوب لبنان، وارتفاعاً في وتيرة الحرب، وزيارات دولية محدودة أقرب إلى “الدعم المعنوي”، والطمأنة باستمرار محاولات الضغط على واشنطن وإسرائيل لوقف إطلاق النار.
في اليوم التالي لإطلاق الحزب صليات الصواريخ الستّة باتّجاه الأراضي المحتلّة، استدعى الرئيس عون أعضاء اللجنة الخماسية ليؤكّد على أمرين أساسيين: قرار حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب لا رجوع عنه، وقد أوكل مجلس الوزراء إلى الجيش والقوى الأمنية تنفيذه في كل المناطق اللبنانية، والصواريخ التي أطلقت من لبنان كانت من خارج منطقة جنوب الليطاني التي ينتشر فيها الجيش، وهو يقوم بدوره كاملاً في هذه المنطقة”.
لم تمض ساعات قليلة على كلام عون حتى دشّن الحزب حرباً مفتوحة ضد إسرائيل انطلاقاً من قرى الحافة الأمامية جنوب الليطاني، وشماله، وبقاعاً.
الحصيلة حتى الآن إبطاء تقدّم القوات الإسرائيلية على امتداد القطاع الشرقي، والأوسط، والغربي، مع تسجيل توغلات أبعد من المدى الذي وصل إليه الإسرائيلي في الحرب الماضية، وإجرام إسرائيلي لا يعرف حدوداً، في مقابل تسجيل خسائر عسكرية وبشرية ملموسة لدى العدو الإسرائيلي، وفرض الحزب نفسه حتى اللحظة ورقة ضمن أوراق التفاوض الاميركي-الإيراني الآتي حتماً، لكن التوقيت مجهول.
أمس، للمرة الأولى أعلن الجيش الإسرائيلي عن عملية وصفها بـ “العابرة للحدود من جبل الشيخ في شقّه السوري إلى منطقة جبل روس في جنوب لبنان، واستكمال الانتشار في المنطقة”. وهو ما عدّته مصادر سياسية من ضمن المؤشّرات المتراكمة لاحتمال الدخول الإسرائيلي إلى البقاع، من جهة الشرق.
الحرب في شهرها الثاني
الخميس المقبل، تدخل الحرب شهرها الثاني. لا أفق لأي حلّ، فيما سلمّت السلطات الرسمية اللبنانية، بتأكيد أيضاً من سفراء اللجنة الخماسية، بأن بدء التفاوض على الخط اللبناني-الإسرائيلي لن يكون ممكناً قبل جلوس الاميركي والإيراني إلى الطاولة.
آخر الكلام، أتى على لسان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي: “نقوم باتصالاتنا مع الاميركيين، والإسرائيليين، والإيرانيين لوقف إطلاق النار. وإذا كنتم تريدون نقل أي رسالة لأي طرف، نحن جاهزون”.
في هذه الحال، لا قيمة سياسية لأي رسالة لبنانية، تحديداً إلى الرئيس الاميركي دونالد ترامب، “الغاطس” بالكامل في الحرب على إيران. فالمشهد الإقليمي-الدولي يزداد تعقيداً، سيّما مع تزايد مؤشرات العملية البريّة الاميركية في مناطق استراتيجية إيرانية، كبعض الجزر المحيطة بضيق هرمز.
في هذه المرحلة البالغة الخطورة تختصر جهات رسمية المشهد بالقول: “ننتظر ما سيقرّره دونالد ترامب، وما سيَثبُت عليه، لا ما ينقله سفراء، أو وزراء، أو موفدون دوليون.”
خطاب عون
فيما سَرت معلومات في الأيام الماضية عن احتمال ظهور رئيس الجمهورية بخطاب قريباً يتوجّه فيه إلى اللبنانيين، فإن بعض زوار بعبدا ينقلون عنه تأكيده “أنّه لا يحمل أي معطى جديد بعد إطلاق مبادرته، باستثناء المناشدة المتكرّرة لضبط خطاب التحريض والكراهية، والذي يمكن أن يُفتّح أبواب الحرب الأهلية، والتركيز على النتائج الكارثية لاستمرار سياسة حروب الآخرين على أرضنا”.
بمناسبة الحديث عن التوترات، بوجهه الرئاسي والسياسي، تؤكد معلومات موثوقة لـ “أساس” أن العلاقات بين رئيس الجمهورية ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ووزير الخارجية يوسف رجّي ازدادت توتراً، وقد أخذ هذا الواقع منحاه الأكبر من خلال قرار وزارة الخارجية إعلان السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصاً غير مرغوب، وإمهاله مهلة، انتهت ليل الأحد الاثنين، لمغادرة الأراضي اللبنانية.
كما أكد “أساس” سابقاً، لم يغادرالسفير الإيراني أمس لبنان، لكن هناك معلومات عن احتمال حصول ذلك خلال هذا الأسبوع، بقرار إيراني ذاتي، رغم المناشدات ببقائه من قبل بري والحزب، بحيث يكون قد تمّ تجاوز المهلة التي حدّدتها الخارجية بأيام عدّة. وحتى الآن، هناك ضغط من جانب الثنائي الشيعي كي لا يغادر السفير الإيراني، وأن تبقى الأمور معلّقة إلى حين البتّ بقبول أوراق اعتماده مجدداً.
رجّي يعتدي على صلاحيات عون
وفق المعلومات الموثوقة تفاجأ رئيس الجمهورية بالقرار الصادر عن وزارة الخارجية، بعدما تواصل معه الأخير ليؤكد أنّه نسّق مع رئيس الحكومة مسألة استدعاء القائم بالأعمال الإيراني لتبليغه “توبيخ” السفير الإيراني على تدخّله في الشؤون الداخلية اللبنانية، وتجاوزه القوانين، وسحب اعتماده”.
فعلياً، اعتبر الرئيس عون أن الوزير رجّي هو من اعتدى على الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية وتجاوز القوانين بقرار سحب الاعتماد عن دبلوماسي إيراني لا يحظى بالحصانة الدبلوماسية، طالما أنّه لم يقدّم أوراق اعتماده بعد.
وبما أن الرئاسة الأولى هي من أعطت الموافقة على اعتماد السفير وفق صيغة parallelisme des formes (موازاة الصيغ)، فهي فقط من يسحبها. أمّا في حال كان الوزير قد قدّم أوراق اعتماده لرئيس الجمهورية، فمن يعيده إلى بلاده هو مجلس الوزراء، بعد موافقة رئيس الجمهورية، معتبراً أن دور وزير الخارجية هنا هو “صندوق بريد” فقط.
هذه قناعة قانونية لدى عون، يتحدّث بها أمام زواره، يُضاف إليها قناعة سياسية بأن “الداخل لا يتحمّل انفجاراً سياسياً ودبلوماسياً من هذا النوع”، سيّما أن عون سَمع كلاماً واضحاً من الرئيس نبيه بري بأن “الخارجية اللبنانية ارتكبت خطأ فادحاً، إذ أن أي من دول الخليج والعالم لم تطرد السفير الإيراني على أراضيها، فيما اكتفت السعودية بقرار صدر في 21 آذار الجاري بإمهال الملحق العسكري، ومساعده، وثلاثة من طاقم السفارة مهلة 24 ساعة لمغادرة المملكة”.
جعجع: نفّذوا فوراً
مع ذلك، لا يزال في عين التينة من يجزم بأن “الرئيس عون كان يَعلم”، في الوقت الذي يطلب فيه جعجع من الحكومة وعون تنفيذ القرار، بالإيعاز إلى الأجهزة الأمنية بـ “ترحيل” شيباني، وإقفال السفارة الإيرانية في بيروت.
يرى عون أن المزايدة القواتية بلغت مداها الأكبر من خلال لقاء معراب 3 لجهة “المطالبة بإنشاء محكمة خاصة” لملاحقة مسؤولي الحزب “عن إدخال لبنان في الحرب”، والتنفيذ “الصارم والفوري” لقرارات نزع السلاح في ظل حالة الحرب القائمة، والاستعانة بقوات دولية، تحت الفصل السابع، لفرض قرارات الحكومة بالقوة، بقرار من مجلس الوزراء. وهي ثلاثة عناوين، بتأكيد عون، تُشكّل مشاريع حرب أهلية في هذا التوقيت السياسي البالغ الخطورة.
ملاك عقيل – اساس ميديا





