كيف دفعت إيران ثمن كلّ سنة تأجيل؟

لم تكن المشكلة يومًا في التفاوض بحدّ ذاته، بل في طريقة إدارة إيران له. فمنذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015، راهنت طهران على عامل الوقت، معتبرة أن بإمكانها تحسين شروطها تدريجيًا عبر المماطلة، أو على الأقل الحفاظ على مكتسباتها. لكن ما تغيّر خلال السنوات الأخيرة هو أن الوقت نفسه تحوّل إلى عنصر استنزاف، لا ورقة قوّة.
في الـ 2018، ومع انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي، دخلت إيران مرحلة “الصبر الاستراتيجي”، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى سياسة “التصعيد المدروس” أي رفع نسب التخصيب، توسيع البرنامج النووي، والضغط عبر الأذرع الإقليمية. ورغم ذلك، بقي باب التفاوض مفتوحًا، خصوصًا مع محاولات إحياء الاتفاق بين 2021 و 2023، حيث كانت بعض الشروط لا تزال قابلة للنقاش، بما فيها مستويات التخصيب وآليات الرقابة.
لكن التحوّل الحقيقي بدأ في 2025. ففي 12 نيسان من ذلك العام، انطلقت جولة مفاوضات جديدة في مسقط، وسط أجواء وُصفت بالإيجابية. إلّا أن إيران تمسّكت بمواقفها، خصوصًا في ما يتعلّق بحقها في التخصيب. بعد شهرين فقط، وتحديدًا في 13 حزيران 2025، بدأت إسرائيل ضربات مباشرة على أهداف داخل إيران، لتلحق بها الولايات المتحدة فجر 22 حزيران باستهداف منشآت إيران النووية الثلاث الرئيسية، وهي نطنز وفوردو وأصفهان. كانت تلك اللحظة مفصلية: البرنامج النووي الذي كان ورقة تفاوض، تحوّل إلى هدف عسكري.
رغم ذلك، عادت طهران إلى طاولة المفاوضات مطلع 2026. في 6 شباط، انطلقت محادثات غير مباشرة في عُمان، وتحدّثت تقارير في 27 شباط عن إمكانية تحقيق اختراق. لكن، مرّة جديدة، رفعت إيران سقفها. وبعد أقلّ من 24 ساعة، اندلعت مواجهة عسكرية واسعة، شملت مئات الضربات الجوية خلال ساعات، استهدفت بنى عسكرية وقيادية حسّاسة. هنا، لم تعد الخسارة نظرية. فقد تراجعت قدرات الدفاع الجوّي الإيراني بشكل كبير، وتعرَّض سلاحا الجو والبحرية لضربات مباشرة، فيما طالت الاستهدافات مستويات قيادية عليا. بذلك، انتقلت إيران من موقع المناورة إلى موقع الاستنزاف.
الاقتباس الذي يتردّد اليوم يلخص المشهد بدقة: “لا ينبغي لإيران أن تُسيء التقدير مرّة أخرى. لقد كلّفها سوء التقدير الأخير قيادتها العليا، وقواتها البحرية، وسلاحها الجوي، ومنظومة دفاعها الجوي وقد تخسر أيضًا جزيرة خرج في حال سيطرت الولايات المتحدة عليها، فهي الشريان الأساس لتصدير النفط الإيراني، ما يعني عمليًا خنق الاقتصاد الإيراني أكثر فأكثر، رغم أن هذا الخيار يحمل مخاطرة كبيرة، إذ سيترك القوات الأميركية مكشوفة ومعزولة عن غطائها الجوي وقريبة من مرمى النيران الإيرانية المباشرة”. لذلك ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عندما سأله الصحافي الأميركي توماس لاماس عمّا إذا كانت طهران تخشى غزو واشنطن بلاده، بالقول حرفيًّا: “لا. نحن في انتظارهم”.
ولكن الأهمّ من ذلك، أن شروط التفاوض نفسها تغيّرت جذريًا. ففي السابق، كان النقاش يدور حول تقييد التخصيب. أمّا اليوم، فالمطالب باتت تشمل صفر تخصيب، تفكيك البنية النووية، والحدّ من البرنامج الصاروخي، إضافة إلى إنهاء دعم الفصائل والوكلاء في المنطقة. أي باختصار ما كان يمكن التفاوض عليه قبل سنوات، أصبح الآن خارج الطاولة. هذا التحوّل يعكس حقيقة واحدة: كلّ جولة تأجيل لم تمنح إيران وقتًا إضافيًا، بل كلّفتها أوراقها التفاوضية تدريجيًا. وبينما كانت تراهن على تحسين الشروط، وجدت نفسها أمام واقع تُفرض فيه شروط أقسى، من موقع أضعف.
في الخلاصة، لم تعد القضية مرتبطة بالنووي فقط، بل بكيفية قراءة اللحظة السياسية. فالتاريخ الحديث يظهر بوضوح أن المماطلة لم تكن استراتيجية رابحة، بل مسارًا تصاعديًا من الخسائر. واليوم، تفاوض إيران ليس لتكسب المزيد… بل لتوقف ما تبقى من نزيف.
أورور كرم – نداء الوطن





