انعكاسات لبنانية للقرار الأميركي بانتهاء صلاحية قرار الحرب على إيران

فور الإعلان الأميركي عن أن صلاحية قرار إشهار الحرب على إيران، المعطى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد انتهت زمنياً، وأنه ليس في وارد طلب تجديدها وفق آليات الإدارة والحكم المعمول بها في الإدارة الأميركية، كان من البديهي أن في الأوساط
اللبنانية من سارع إلى السؤال عن مدى انعكاس هذا التطور الدراماتيكي على الساحة اللبنانية حاضراً ومستقبلاً.
وفي هذا السياق كتب ابراهيم بيرم في “النهار”: السؤال يستقي مشروعيته من واقعة أساسية، وهي أن المواجهات الحدودية المحتدمة حالياً، والتي بلغت ذروة عنفها في الأيام القليلة الماضية، قد فتح “حزب الله” أبوابها فجر 2 آذار الماضي على وقع الحرب التي كانت انطلقت قبيل أربعة أيام بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خصوصاً أن خصوم حزب الله يتهمونه مباشرة بأنه قد أطلق صلية الصواريخ الستة الأولى نحو الجليل في صبيحة ذلك اليوم قبل شهرين، بقصد “إسناد” حليفته الثابتة إيران، على غرار ما سبق وفعله في 8 تشرين الأول من عام 2023 تحت شعار “إسناد غزة”.
وعلى رغم وجاهة هذا الاستنتاج والقراءة، فإن هناك من يستبعد فرضية “الانعكاس الإيجابي” العاجل على الأقل لمندرجات القرار الأميركي بهذا الخصوص، على مآلات الأوضاع المشتعلة على الجبهة الإسرائيلية – اللبنانية لاعتبارات عدة أبرزها:
إن القرار الأميركي لا يعني بالضرورة توجهاً أميركياً حازماً وحاسماً لوضع حد لحرب واشنطن مع إيران، والتي وإن تراجعت حدتها أخيراً بفعل التزام الأطراف الثلاثة المنخرطة بهذه الحرب بموجبات اتفاق الهدنة المعلن بينهم قبل أسابيع، خصوصاً أن هذه الحرب اتخذت مع القرار الأميركي بفرض حصار على الموانئ الإيرانية رداً على الحصار الإيراني على مضيق هرمز، شكلاً آخر لا يقل ضراوة وحماوة ونتائج عن المواجهات الحربية.
إن
إسرائيل التي تفرغت بعد تلك الهدنة إلى حزب الله، تبذل جهوداً جبارة لكي تدحض فرضية أن ثمة ربطاً بين جبهة حدودها مع لبنان وجبهة مواجهتها مع واشنطن مع إيران، وهي تحرص كل الحرص على إثبات أن “حسابها” العسكري مع حزب الله لا يتأثر بمآلات الأمور على الجبهة مع إيران.
وليس خافياً أن ثمة في بيروت من يتقاطع مع هذا التوجه إلى درجة تبنيه، وهو لذا يسعى بكل ما أوتي من قوة لإثبات الفصل بين المسارين على نحو يعطي للحكم في بيروت شرعية المضي قدماً في مسار المفاوضات المباشرة مع تل أبيب سعياً إلى إقرار صيغة سلام دائم بين البلدين يؤمن إخراج لبنان نهائياً من دائرة الصراع العربي – الإسرائيلي.
وعليه فإن متبني هذا التوجه في بيروت سيمضون قدماً في ما بدأوه في هذا الإطار، وسيواجهون كل محاولة للربط بين الجبهتين، انطلاقاً من فرضية راسخة عندهم فحواها أن مثل ذلك يؤمن خدمة جلى لطهران وحزب الله.
إن إسرائيل أعلنت صراحة أنها ستواجه بالقوة أي جهد لإعادة عجلة الأمور على جبهة حدودها مع لبنان إلى ما كانت عليه قبل 2 آذار الماضي، وامتداداً إلى ما كانت عليه قبل حرب “إسناد غزة”، وأنها إنما توغلت هذه المسافة في العمق الجنوبي وأقامت ما أسمته “المنطقة الصفراء” لا لكي تنسحب منها لاحقاً مجاناً على غرار ما فعلته في أيار عام 2000، وتترك المبادرة بيد حزب الله، بل إنها تريد أن تفرض معادلة جديدة من شأنها أن تؤمن الأمن لحدودها ولشمالها كله.
وهكذا وبناءً على كل هذه المعطيات والوقائع، تتهاوى رهانات المراهنين على احتمال أن يفضي القرار الأميركي الأخير إلى أن توقف إسرائيل حربها الضارية على الجنوب اللبناني، وأن توصد أبواب مواجهتها مع “حزب الله” في الوقت الحاضر، حتى وإن لاحت في الأفق بوادر اتفاق إيراني – أميركي، إذ إن تل أبيب لا تخفي أن القرار المتخذ عند قيادتها العليا هو إلحاق هزيمة قاصمة بالحزب تجعله كسيحاً وعاجزاً عن فتح الحروب عند حدودها، بصرف النظر عن قدرتها على بلوغ هذا الهدف القديم عندها.
وكتب إياد أبو شقرا في “الشرق الأوسط”:
تواصل واشنطن بقوة دفع لبنان “الرسمي” إلى تطبيع مع إسرائيل، ينطلق من مفاوضات مباشرة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون – عملياً – من دون شروط أو ضمانات.
هذا الدفع يشتد من دون أن تلوح في الأفق أي بوادر “حسن نية” من الجانب الإسرائيلي، الذي قتل منذ إعلان “هدنة” عديمة المعنى نحو 325 مواطناً لبنانياً، وسرّع عمليات القصف والهدم والتهجير في جنوب البلاد وجنوب شرقها.
في هذه الأثناء الانقسام داخل لبنان واضح جداً، للأسف، بين اتجاهين:
الاتجاه الأول، لا يرى أي بديل عن الانخراط في التفاوض المباشر، واللا مشروط، مع الإسرائيليين. وهذا، ليس فقط بحجة أن التكافؤ الميداني معدوم بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، بل أيضاً لأن الراعي الإقليمي الوحيد هو واشنطن، تحت حكم إدارتها الحالية.
أما الاتجاه الثاني، فيعتبر أن المطلوب أميركياً ليس التفاوض من أجل الخروج بصيغ تخدم مصالح الجانبين، بل تكريس “رسمي” لغلبة الجانب الإسرائيلي. وبالتالي، منح إسرائيل على “طبق من ذهب” كل ما تريده داخل لبنان وأيضاً في بحره ومحيطه.
الفريق المتحمّس للتفاوض، الذي يمثله الاتجاه الأول، يضم نسبة عالية من المسيحيين، في تكرار لـ”سيناريو” 1982 عندما احتلت القوات الإسرائيلية، إبان عهد مناحيم بيغن وتحت قيادة آريئيل شارون العسكرية، نصف لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت.
يومذاك، مثل اليوم، حظيت “الحرب الإسرائيلية” تلك بمباركة أميركية، رموزها الأبرز الرئيس رونالد ريغان، الذي كان في حينه زعيم معسكر “اليمين” في الحزب الجمهوري، كحال الرئيس الحالي دونالد ترمب، ومعه وزير دفاعه كاسبار واينبرغر، والسفير فيليب حبيب المبعوث الرئاسي الخاص الدبلوماسي اللبناني الأصل.
عام 1982، كان العمل الفدائي الفلسطيني ومنظماته، وكذلك حلفاؤه من اليسار اللبناني، “العدو” المشترك والمستهدف لكل من بيغن وريغان. وحقاً، أنجز الغزو الإسرائيلي، ولو مؤقتاً، هدفين مهمين، هما:
أولاً، كسر القوة القتالية للمنظمات الفدائية الفلسطينية… وإبعادها عن لبنان.
وثانياً، انتخاب رئيس لبناني موافق على مفاوضات سلام مباشرة في 17 أيار 1983 تفضي – كما توقّع الجانبان الإسرائيلي والأميركي – إلى تطبيع كامل مع إسرائيل.
الهدفان أعلاه تحققا جزئياً، قبل فقدان تل أبيب وواشنطن القدرة على التحكم بالأحداث على المدى البعيد. ذلك أن “الحسابات” و”المعادلات” اللبنانية فرضت، حتى على الذين راهنوا على “فرس السباق” الإسرائيلي، أن يأخذوا في الاعتبار أهمية الالتفات إلى العُمق العربي، والتنبّه إلى أهمية هذا العُمق ومصالحه في الإبقاء على أي صيغة حكم للبنان… المتعدد الطوائف.
صحيح أن غالبية المسيحيين سارت في حينه مع “اتفاق أيار”، لكن بخلاف ما توقّعه “صقور” التطبيع المسيحي مع تل أبيب، عجز قادة هذه الغالبية عن تغطية الصفقة بكسب غالبية بين المسلمين إليها.
كذلك، سرعان ما ظهرت عدة ثغرات سمحت باختراقات وتحوّلات، أسهم فيها خروج لبنان – التوافقي تقليدياً – من “اتفاق أيار” بحالة “غالب ومغلوب” واضحة.
والحقيقة، أنه في ظل “التعدّدية الديمغرافية”، لم يكن سهلاً المحافظة على “اختلال” من هذا النوع، ولا سيما مع الأخذ في الاعتبار، استفادة أطراف متعدّدة من “هشاشة” الغَلَبة الطارئة التي خلقتها “الحرب الإسرائيلية” عام 1982.
في اعتقادي، لا ضعف الوضع اللبناني يستطيع تحمّل “سيناريو” حرب أهلية يصبّ الزيت على نارها “تلموديو الاستيطان” الإسرائيلي.
ولا “الحالة الشيعية” على مستوى الشرق الأوسط ككل، ستستكين لحرب أميركية كبرى على إيران… نشهد الآن جزءاً من تداعياتها.
وطبعاً، أخشى على “التضامن العربي” إذا ما استمرت الرهانات الانتحارية التي تهدّد بقاء الكيانات الحالية، وتمزّق النسيج الوطني، وتقضي على فرص الازدهار الاقتصادي، وتترك عالمنا العربي نهباً للأحقاد… وسط تفاقم المؤامرات وتنافس “الكبار” على أشلائنا وبقايانا!




