لبنان واللائحة الرماديّة: التصنيف باقٍ حتّى إشعارٍ آخر

علي نور الدين – المدن
لم يحمل الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي أيّ جديد بالنسبة لبيروت. فبينما رفعت المجموعة الجزائر وناميبيا عن اللائحة الرماديّة، وأضافت العراق والبوسنة والهرسك إليها، تم الإبقاء على لبنان ضمن هذه الفئة، التي تضم الدول الخاضعة لرقابة “معزّزة”. ومن المعلوم أنّ ورود إسم أيَّ دولة ضمن هذا التصنيف يعني وجود “نواقص استراتيجيّة” في أنظمتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإن كانت هذه الدول قد قدّمت التزاماً جديّاً بمعالجة هذه الثغرات. أمّا الدول غير المتعاونة أبداً، كحال إيران وكوريا الشماليّة وبورما، فيتم تصنيفها ضمن اللائحة السوداء، التي تعاني من انقطاع شبه كلّي في علاقتها مع النظام المالي العالمي.
في لائحة التصنيفات، تنوّه المجموعة إلى أنّ لبنان، ورغم أوضاعه الاقتصاديّة والاجتماعيّة الصعبة، قدّم “التزاماً سياسياً رفيع المستوى” بالعمل على تعزيز فعاليّة أنظمة الامتثال لديه. ومع ذلك، ما زالت المجموعة تنوّه إلى عشرة محاور أساسيّة يقتضي العمل عليها، للخروج الكامل من اللائحة الرماديّة.
في هذا المقال، تفنّد “المدن” الثغرات التي أشارت إليها المجموعة، وتتناول أبرز الإجراءات التي جرى اتخاذها محليّاً على هذا المستوى.
المهن والأعمال غير الماليّة
بخلاف الاعتقاد الشائع، لا يقتصر اهتمام مجموعة العمل المالي، ولا أنشطة الامتثال بشكلٍ عام، على إجراءات مكافحة تبييض الأموال المعمول بها داخل المصارف التجاريّة، أو حتّى المؤسّسات الماليّة غير المصرفيّة. بل يشمل كذلك الأعمال والمهن غير الماليّة، أي ما يطال مثلًاً أنشطة المحامين وكتّاب العدل والمحاسبين المُجازين وغيرهم. ولهذا السبب، ومن بين النقاط التي توردها المجموعة في ملاحظاتها عن لبنان، تبرز ضرورة تعزيز فهم الأعمال والمهن غير الماليّة لمخاطر عدم الامتثال، وتوفير عقوبات فعّالة ومناسبة عن مخالفة التزامات مكافحة غسل الأموال.
وفي هذا الإطار، من المهم التذكير ببعض الخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانيّة، وإن شابها بعض السجال الداخلي في الجانب المرتبط بالصلاحيّات. ومن هذه الإجراءات مثلاً التعميم الذي وجهّته وزارة العدل لكتّاب العدل، والتي فرضت عليهم إجراءات إضافيّة ومنها التحقّق من مصدر الأموال وذكر طريقة الدفع في المعاملات الواردة، والسؤال عن وجود وسطاء أو سماسرة والتحقّق من هويّتهم وذكر أرقامهم الضريبيّة. و بعد السجال الذي أحدثه القرار، ثم التشاور مع مجلس كتّاب العدل، تم إصدار تعميم توضيحي لاحق لمعالجة السجال الذي أحدثه التعميم الأوّل.
وفي إطار الحديث عن المهن والأعمال غير الماليّة، يبرز أيضاً مجال الإتجار بالأحجار الكريمة والمعادن الثمينة، المُنطوي بدوره على مخاطر عدم الامتثال. وملاحظات مجموعة العمل المالي بالنسبة للبنان ذكرت بوضوح أهميّة “ضبط التحرّكات غير المشروعة عبر الحدود للعملات والمعادن النفيسة والأحجار الكريمة”.
ولمعالجة هذه الثغرة، كانت هيئة التحقيق الخاصّة قد أصدرت تعميماً العام الماضي، لإلزام تجّار الذهب والأحجار والمعادن الثمينة بسلسلة من الخطوات، للتحقّق من هويّة الزبائن وفهم مصدر الأموال وتحديد المستفيد الحقيقي من العمليّات عند الاقتضاء، ورصد العمليّات غير الاعتياديّة أو المشبوهة، فضلًاً عن التبليغ عند وجود أي شبهات. كما طلبت الهيئة من هؤلاء التجّار تثبيت تطبيق إلكتروني للتحقّق من العملاء المّدرجين على لوائح العقوبات الدوليّة. أمّا بالنسبة لحركة الأموال عبر الحدود، فتم التعامل معها بتشديد القيود على حركة الأموال عبر المنافذ الجويّة والبريّة، وفق الإجراءات المفروضة أساساً قانوناً.
القضاء والمنظمات “غير الربحيّة”
تُفرد ملاحظات المجموعة حيّزاً واسعاً للإجراءات المطلوبة من السلطات القضائيّة. ومنها على سبيل المثال استخدام المعلومات المتوفّرة لدى وحدة الإخبار المالي (أي هيئة التحقيق الخاصّة)، وإظهار زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات القضائيّة والأحكام الصادرة عن المحاكم، في قضايا غسل الأموال، وبما يتناسب مع مستوى المخاطر. كما تطالب المجموعة بتوسيع التحقيقات القائمة، وزيادة وتيرة تبادل المعلومات مع الشركاء الأجانب بشأن هذه التحقيقات، وفقاً للاتفاقيّات القائمة أساساً مع هذه الأطراف. كما تطلب المجموعة تعزيز آليّات التنفيذ الفعّال، وفي الوقت المناسب، لطلبات المساعدة القانونيّة المتبادلة، وتسليم المطلوبين، واسترداد الأصول.
مع الإشارة إلى أنّ جانباً من ملاحظات المجموعات ارتبط بتحديث معلومات أصحاب الحق الاقتصادي والمستفيدين الفعليين، من الملكيّات المُسجّلة لدى الدولة، وهو ما تمَّ التعامل معه مؤخراً مع الإجراءات المرتبطة بكشف هويّات أصحاب الحق الاقتصادي في الشركات المُسجّلة لدى السجل التجاري. فتاريخياً، شكّلت الكثير من الشركات طريقة لتمويه هويّة المستفيدين الفعليين من موجوداتها، وهو ما اقتضى إجراءات خاصّة لزيادة شفافيّة السجلات التجاريّة.
على مستوى تفشّي الاقتصاد النقدي، المعروف بكونه بيئة خصبة لتبييض الأموال، تظهر قائمة الإجراءات التي اتخذها مصرف لبنان لتشجيع التداول من داخل النظام المالي الرسمي، ومنها التعاميم المرتبطة بتنظيم مقاصّة “الفريش دولار”. كما تبرز الخطوات التي قام بها المصرف لتنظيم عمل المحافظ الرقميّة، التي تعمل من خارج النظام المصرفي التقليدي. ومع ذلك، ستظل جميع هذه الإجراءات قاصرة عن لجم الاقتصاد النقدي بشكلٍ كامل، ما لم يتم إنجاز الخطوات التشريعيّة المطلوبة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة فجوة الخسائر فيه.
أمّا الجانب الأكثر حساسيّة في ملاحظات المجموعة، فيبرز عند حديثها عن ضرورة تنفيذ “رقابة مستهدفة وقائمة على مخاطر على المنظمات غير الهادفة للربح”، وهو ما يبرز كإشارة غير مباشرة لمؤسّسة القرض الحسن. وآخر ما استجد في هذا الملف، كان تحريكه من قبل وزير العدل عادل نصّار، عبر إحالة المؤسّسة إلى النيابة العامّة التمييزيّة، بالتزامن مع انعقاد الاجتماعات العامّة لمجموعة العمل المالي، من دون أن يتبيّن بعد أفق هذه التحقيقات مستقبلاً.




