الى أين تتجه أسعار الذهب في الفترة المقبلة؟

تشهد أسعار الذهب تقلبات حادة، في ظل التوترات الجيوسياسية، سيما التوترات الأمنية بين إيران و الولايات المتحدة الأميركية وإقفال مضيق هرمز، الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية.
والسؤال المطروح : إلى أين تتجه أسعار الذهب في الفترة المقبلة؟ يقول الأكاديمي و الخبير الإقتصادي الدكتور بيار الخوري لـ “الديار”: إن المشهد المالي العالمي الذي نعيشه اللحظة، وتحديداً مع اشتعال المواجهة العسكرية الحالية والضربات المتبادلة المرتبطة بإيران، يقدم دليلاً حياً على أن حركة الأسواق لا تدار بالقواعد الجاهزة، والواقع العملي يثبت أن هذه الحرب أحدثت إعادة توزيع حادة وجذرية للسيولة العالمية، لم تكن في مصلحة الذهب كخيار أول، بل تدفقت بقوة نحو قطاع الطاقة والنفط”.
ويشير الى ان “التموضع الجديد للسيولة، وضع الذهب تحت ضغوط تسييل وجني أرباح واضحة رغم اشتعال الجبهات، والتفسير الفعلي لهذا التناقض، يكمن في الآثار التضخمية العميقة التي تخلفها حرب الطاقة الحالية، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود يذكي التضخم العالمي من جديد، الأمر الذي يجبر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الكبرى، على التخلي عن خطط خفض الفائدة، والتمسك بسياسات نقدية متشددة لفترة أطول، وبما أن الفائدة المرتفعة ترفع عوائد السندات الحكومية الحقيقية وتدعم قوة الدولار الأميركي، فإن تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يقدم عائداً دورياً تصبح مرتفعة جداً”.
ويلفت إلى أن “المستثمرين اليوم يفضلون السيولة النقدية بالدولار، أو السندات قصيرة الأجل، وعقود الطاقة، لتعويض شهية المخاطر، مما يفسر تراجع الذهب مؤخراً إلى مستويات تدور حول 4500 دولار للأونصة”.
أسعار الذهب مستقبلاً
و حول توقعاته لأسعار الذهب في المستقبل يقول “يتأرجح مستقبل هذه الديناميكية بين سيناريوهات الحل الديبلوماسي أو تفاقم الصراع، ففي حال نجاح المفاوضات السياسية الحالية والتوصل إلى اتفاق تهدئة مستدام ، يضمن إعادة فتح ممرات شحن الناقلات بشكل آمن، فإن أسواق الطاقة ستشهد عمليات بيع واسعة، وستبدأ السيولة الذكية بالخروج من قطاع النفط، لتتدفق مجدداً نحو سوق الذهب، مما يمنحه قوة دفع ذات طبيعة اقتصادية هيكلية، قد تدفع به لاستهداف مستويات الـ 5000 دولار للأونصة ، مع نهاية العام الحالي وبداية العام المقبل”.
ويضيف “أما في حال انهيار المفاوضات والذهاب نحو ضربات أوسع تطال البنية التحتية النفطية الإقليمية، فإن شلل خطوط الإمداد سيبقي النفط مشتعلاً، مما يبقي الفائدة مرتفعة والدولار قوياً. وبالتالي يظل الذهب مكبوحاً ضمن نطاق عرضي ومستهدفاً لموجات تسييل دورية، لتغطية المراكز المالية في القطاعات الأخرى”.
وبالنسبة للبنان، يرى أن “هذه المعادلة الدولية الشرسة تنتقل بكافة تفاصيلها إلى الواقع اللبناني بصورة شبه لحظية ومباشرة، فتسعير الذهب في السوق المحلية بات يعكس البورصة العالمية مقوماً بالدولار النقدي، متجاوزاً أي اعتبارات لآليات تسعير داخلية مرجعية، كما يحدث في اقتصادات أخرى”.
ويلفت الى ان “المواطنين والمستثمرين اللبنانيين يمتنعون عن شراء المشغولات الذهبية والمجوهرات، بسبب كلفة المصنعية التي تمثل خسارة مباشرة عند البيع، مقابل تركيز حاد وشبه كامل على اقتناء الليرات والسبائك الذهبية، كأداة ادخار واكتناز مالي بحت لحفظ القوة الشرائية خارج النظام المالي”.
على مستوى الحسابات القومية، يقول الخوري: “تترجم هذه التقلبات بوضوح في الميزانية العمومية لمصرف لبنان، من خلال تبدل القيمة السوقية الفورية لاحتياطيات الذهب التي تناهز عشرة ملايين أونصة، إذ إن ارتفاع الأسعار عالمياً يرفع القيمة الدفترية لهذه الأصول، وهو ما يمنح الدولة اللبنانية والمصرف المركزي دعامة معنوية هامة، في تقارير الملاءة الائتمانية وصورة المركز المالي، إلا أن هذا الارتفاع يظل مجرّد أرقام صامتة دون تأثير تفاوضي أو مالي حقيقي في المفاوضات الدولية أو خطط التعافي”.
أميمة شمس الدين – الديار


