Featuredأخبار محلية

حرب أهليّة باردة في لبنان؟

ميشال طوق – نداء الوطن
في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، من إعادة رسم التوازنات والتحالفات إلى تبدّل موازين القوى الإقليمية، يتركز الاهتمام الدولي على الملفات الكبرى، فيما يبقى السؤال اللبناني حاضرًا بقوة بالنسبة إلى اللبنانيين أنفسهم: إلى أين يتجه الوضع الداخلي؟

بغض النظر عن مصير الاتفاق الإيراني – الأميركي، وبصرف النظر عن نجاح أو فشل أي تسوية بين إسرائيل و “حزب الله”، تبقى الإشكالية الأساسية مرتبطة بالداخل اللبناني. فمنذ انتهاء الحرب اللبنانية عام 1990 وإقرار “اتفاق الطائف”، عاش لبنان ما يشبه هدنة طويلة أكثر مما عاش سلامًا حقيقيًا. فالأسباب الجوهرية التي أدت إلى الحرب لم تُعالج بالكامل، والأطراف التي تنازعت بالأمس لم تتخل نهائيًا عن رؤاها السياسية ومشاريعها المتعارضة، بل جرى احتواء الخلافات تحت مظلة تسوية “لا غالب ولا مغلوب”.

إلا أن هذه التسوية بقيت ناقصة، لأن أحد أبرز أطراف النزاع، أي “حزب الله”، احتفظ بسلاحه، في وقت تخلّت فيه سائر الميليشيات اللبنانية عن أسلحتها. صحيح أن مبرر السلاح ارتبط، قبل عام 2000، بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، لكن استمرار هذا الواقع بعد التحرير خلق انقسامًا لبنانيًا عميقًا حول دور “الحزب” وموقعه داخل الدولة وحدود علاقته بالمشروع الإيراني في المنطقة.

من هنا يبرز السؤال: هل يعيش لبنان اليوم حالة حرب أهلية باردة؟

الجواب هو نعم، ولكن بمعنى سياسي لا عسكري. فالانقسام اللبناني بلغ مستويات مرتفعة حول سلاح “حزب الله” ودوره ومستقبل لبنان. غير أن هذا الصراع لا يُترجم اليوم عبر الدبابات والمتاريس، بل عبر السياسة والإعلام والخطاب الشعبي. إنها مواجهة بين رؤيتين للبنان: رؤية تعتبر أن سلاح “الحزب” جزء من معادلة القوة في المنطقة، ورؤية أخرى ترى أن قيام دولة فعلية يقتضي حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها.

مع ذلك، تبقى الحرب الأهلية التقليدية مستبعدة لخمسة أسباب رئيسية. أولا، لا توجد إرادة سياسية لدى معظم القوى اللبنانية لخوض حرب جديدة، بعدما اختبرت جميعها كلفة الحروب السابقة. ثانيًا، غياب التوازن العسكري اللازم لاندلاع حرب أهلية، إذ لا توجد قوى مسلحة متعددة قادرة على خوض نزاع واسع، فيما يبقى “حزب الله” الطرف المسلح الوحيد خارج إطار الدولة. ثالثًا، من غير المنطقي أن يذهب “حزب الله” إلى مواجهة داخلية شاملة، لأن ذلك سيضعه في مواجهة غالبية المكونات اللبنانية، وسيفقده ما تبقى له من شرعية سياسية وشعبية. رابعًا، يدرك اللبنانيون، أكثر من غيرهم، معنى الحرب والقتل والتهجير والحواجز والانهيار، ولذلك لا تبدو هناك بيئة شعبية راغبة في تكرار تجربة عام 1975. خامسًا، يبقى الجيش اللبناني المؤسسة الوطنية الضامنة للاستقرار، وأي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة ستضعه أمام مسؤولياته الوطنية والدستورية.

لكن إذا كانت الحرب الأهلية مستبعدة، فما السيناريوهات المطروحة؟

السيناريو الأول، وهو الأفضل والأقل كلفة، يتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية تؤدي إلى إنهاء ملف السلاح خارج الدولة بصورة تدريجية، مقابل ضمانات سياسية تسمح لجميع الأطراف بالمشاركة في النظام اللبناني الجديد.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على تدخل خارجي، أو على قوة متعددة الجنسيات تتولى فرض إعادة ترتيب المشهد اللبناني، ونزع السلاح غير الشرعي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق توازنات إقليمية جديدة، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على السيادة اللبنانية.

ويبقى السيناريو الثالث والأخطر، وهو أن تنتهي المواجهات الإقليمية الحالية من دون حل جذري لمسألة سلاح “حزب الله”. عندها، قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام انفجار داخلي سياسي واجتماعي متصاعد، حيث تنهار تدريجيًا معادلة “لا غالب ولا مغلوب” التي حكمت البلاد منذ الطائف، ويتحول الصراع من حرب أهلية باردة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.

إن المشكلة الحقيقية في لبنان ليست في احتمال اندلاع حرب غدًا، بل في استمرار الأسباب التي تجعل اللبنانيين يعيشون، منذ أكثر من ثلاثة عقود، في هدنة موقتة، بدلا من أن يعيشوا في دولة مستقرة وسلام دائم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |