إسرائيل تنقلب على اتفاق الإطار: ثلاث مناطق بجنوب لبنان

لم تتوقف حالة الجدل والتباين في إسرائيل بشأن فوائد وسلبيات الاتفاق الإطاري بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، وما يحيط بنتائجه من عدم يقين، رغم مرور أيام على إبرامه برعاية أميركية.. وكأن استمرار التباين والغموض حول مقاصده وتفسيراته هو جوهر الاتفاق بحد ذاته، بوصفه “وسيلة وغاية في آن” لدى تل أبيب وحتى واشنطن.
الملحق الأمني.. تفسير إسرائيلي للبنود!
لكن ما هو واضح أن ما يُسمى الملحق الأمني للاتفاق، هو الإطار التفسيري الذي تحاول إسرائيل من خلاله تجيير البنود لصالحها، نصاً وتنفيذاً، وفق ما يُمكن استنتاجه من القراءات والتحليلات والمقالات في الصحافة والمراكز الاستراتيجية الإسرائيلية؛ وذلك من أجل تفخيخ الوضع الداخلي اللبناني ودفعه إلى الانفجار، وبما يتسبب بخلط الأوراق على نحو يُمكن تل أبيب من تحقيق ما تريده في لبنان، بطريقة أخرى!
وما يعزز هذا الاستنتاج، هو محاولة منصات أمنية إسرائيلية إذكاء التوتر الداخلي اللبناني، عبر الزعم أنه “ليس من قبيل الصدفة كشف الجيش الإسرائيلي أخيراً عن الوحدة 121 في حزب الله”، مدعياً أن ما سماها بـ”وحدة الاغتيالات السرية التابعة لحزب الله قد يتم تفعيلها الآن لغرض اغتيال شخصيات حكومية وإعلامية لبنانية تدعم الاتفاق بين لبنان وإسرائيل”، وهذا النشر الإسرائيلي المزعوم، يستدعي حذراً لبنانياً، كونه يعكس رغبة تل أبيب بتفجير الوضع اللبناني، توطئة لاتخاذ ذريعة لاستباحة إسرائيل للبنان بشكل أكبر وأعنف، وبلا قيود.
انسحابات وهمية
ولعلّ الانتهازية الإسرائيلية تتجلى في أول تفصيل بالاتفاق، يُلخصها المراسل العسكري للإذاعة العبرية “مكان”، إيال عاليما، حينما وصف الانسحابات الإسرائيلية التجريبية، إن تمت، فمِن منطقتين لبنانيتين بموجب الاتفاق، هما فرون والغندورية، بـ”رمزية.. ووهمية”، مؤكداً أن لا قوات إسرائيلية في البلدتين المذكورتين، لكنها تقوم بتسيير دوريات فيها بين الفينة والأخرى، وهو ما يعني فعلياً، أن إسرائيل تقسم المناطق اللبنانية في الجنوب وفق الاتفاق، إلى 3 مناطق، الأولى صفراء تحت سيطرة ثابتة، والثانية منطقة عمليات واقتحامات خاطفة (بذريعة حماية القوات الإسرائيلية)، وثالثة مرشحة لانسحابات تجريبية ووهمية.
وقد درجت العادة أن تفرض إسرائيل تفسيراتها الخاصة للاتفاقات، حتى لو لم يُوافق عليها الطرف الآخر. وحتى لو انسحبت إسرائيل من منطقتين تجريبيتين، فإنها ستُبقي قوات لها في مواقع مستترة، إلى جانب الإبقاء على مراقبة جوية وبرية لكل ما يجري في جنوب لبنان.
ورغم الاتفاق الإطاري، أكد إيال عاليما في مداخلته الإذاعية، أن القوات الإسرائيلية تواصل عملية هدم القرى الشيعية بالقطاع الشرقي، حيث دمرت نحو 73% منها حتى الآن، فيما بات التدمير في القطاع الغربي “أكبر”، حيث شمل كافة بلداته، وفق مراسل “مكان” العسكري الذي أشار إلى أن عملية التدمير ستتواصل لتكريس “منطقة أمنية مهجورة من السكان اللبنانيين”.
وصلُ ملفي لبنان وإيران.. للفصل!
واعتبر المراسل السياسي لقناة I24، عميحاي شتاين، أن التقارير عن عدم رغبة الإدارة الأميركية إجبار إسرائيل على الانسحاب من كامل جنوب لبنان، يؤدي إلى “تعطيل” مطلب إيراني مستقبلي بانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان في أي اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن، إلا إذا قام حزب الله عمليًا بنزع سلاحه. وتنسجم قراءة عميحاي شتاين مع تحليلات إسرائيلية تمحورت حول مقاربة أميركية مزدوجة، بحيث تقضي بالربط بين لبنان وإيران؛ لحسم مسألة سلاح حزب الله، لكنها تفصل بينهما في رؤية الحل النهائي، في محاولة لفرض واقع جديد في لبنان والإقليم كله، أي أن جوهر النظرية الأميركية هو ربط ملفي إيران ولبنان كبوابة للفصل الدائم بينهما! وهي نظرية حاولت واشنطن إقناع تل أبيب بها، رغم وصول التباين بشأنها إلى حدة غير مسبوقة.
إتيان صقر يروّج مكاسب إسرائيل
في غضون ذلك، وجدت وسائل إعلام عبرية ضالتها في بعض الأصوات اللبنانية الشاذة؛ لتسويق الاتفاق الإطاري وصب الزيت على النار في لبنان، إذ رصدت “المدن” لقاء إذاعياً أجرته الإذاعة العبرية مع رئيس حزب “حراس الأرز”، إتيان صقر، اعتبر فيه أن “جدية” الدولة اللبنانية تحت الاختبار، وما إذا كانت “تتحايل عليه و تتلكأ في التنفيذ كما السابق”، وفق قوله. لكنه أبدى في الوقت نفسه تفاؤله بالاتفاق، بدعوى توفر جدية أميركية لإنجاحه، وصولاً إلى حسم ما سمّاها حالة “الدولة والدويلة التي يشهدها لبنان منذ نحو 40 عاماً”. ورداً على سؤال المذيع الإسرائيلي عن إمكانية تسبب الاتفاق في انفجار الوضع الداخلي اللبناني، قال إتيان صقر إنه “لن تحدث” حرب أهلية لبنانية، بزعم أن “نسبة كبيرة من اللبنانيين بواقع 70%، تدعم الاتفاق مع إسرائيل وإقامة مسار سلمي معها”.. والحالُ أن زعيم “حراس الأرز” نافى الحقيقة بادعائه؛ لأن الواقع يُظهر أن الاتفاق مع إسرائيل، مرفوض على نطاق واسع في لبنان، ومن الطوائف كافة، وحتى من معارضين لحزب الله؛ وذلك لإدراكهم انتهازية إسرائيل ومخاطر مخططاتها للبنان والمنطقة كلها.
“حزب الله ليس المشكلة الرئيسية”!
لكن محلل شؤون الشرق الأوسط لمجلة “إبوك” العبرية، يوني بن مناحيم، رأى في مقاله، أن الجدل الدائر حول الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان، لم يعد يقتصر على بنوده، بل بات متمحوراً حول سؤال “أعمق”، وهو: “هل يستطيع لبنان استعادة سيادته كدولة مستقلة، أم سيظل ساحة صراع بين إيران وإسرائيل والقوى الدولية؟”.
ونقل بن مناحيم عن مسؤولين إسرائيليين كبار، أن الاتفاق أصبح “نقطة انقسام جديدة” في الساحة السياسية اللبنانية، مشيراً إلى معارضة نحو 20 حزبًا للاتفاق، بوصفه “اتفاق عار”، في مقابل تأييده من أربعة أحزاب هي: القوات اللبنانية، وحزب الكتائب، والحزب الوطني الليبرالي، وحزب الحوار الوطني، حيث ترى في الاتفاق “بداية ممكنة لإعادة الدولة اللبنانية إلى مكانتها الطبيعية”.
واللافت في مقال بن مناحيم، هو إشارته إلى أن المشكلة الأساسية ليست حزب الله بحد ذاته، وإنما قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها، معتبرا أن لبنان “عالق” بين منظومتي نفوذ، هما “إيران التي تعمل عبر حزب الله.. وإسرائيل التي تتحرك وفق مفهومها الأمني”، كما جاء في مقاله.
الحل.. إقليمي؟
مع ذلك، زعم الكاتب الإسرائيلي أن تحول لبنان إلى ملف إيراني، في أي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران، سيُفقده عمليًا “جزءًا كبيرًا” من استقلاله السياسي، وسيصبح “ورقة مساومة إضافية” في الصراع الإقليمي، كما قال.
ولعل الخلاصة التي يطرحها مقال بن مناحيم، الذي شغل سابقًا منصب المدير العام لهيئة البث العبرية، تثير تساؤلات حول ما إذا كانت تعكس إدراك الدوائر الاستراتيجية الإسرائيلية، بأن تسوية الملف اللبناني ليست ممكنة عبر اتفاقات ثنائية مع بيروت.. بل مرهونة بتسوية إقليمية أوسع؟!
بكل الأحوال، تعتقد قراءات أمنية وسياسية أن الشهور المقبلة ستكون “دراماتيكية”، إقليمياً، وحتى على الصعيد الداخلي الإسرائيلي والأميركي، وعلى ضوئها ربما تتضح الصورة بشأن وجهة لبنان وعموم المنطقة.
“المدن”




