أخبار محلية

“الجنوب خارج حساباتها”… قبلان يرفع السقف بوجه السلطة

اتهم المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان السلطة اللبنانية الحالية بالتفريط بالسيادة الوطنية والتعامل مع ملف الجنوب بمنطق الابتزاز السياسي، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يدفع البلاد نحو فتنة داخلية غير مسبوقة.

وفي خطبة الجمعة التي ألقاها في مسجد الإمام الحسين في برج البراجنة، اعتبر قبلان أن لبنان يمرّ بإحدى أسوأ أزماته السياسية والحكومية، مشيرًا إلى أن جوهر المشكلة يكمن، بحسب تعبيره، في وجود فريق يقدّم مصالح تل أبيب على مصالح بيروت، إلى جانب سلطة تقود ما وصفه بحملة تضليل سياسي تهدف إلى تجريد لبنان من قدراته السيادية.

وقال إن هذه السياسة ترتبط بالتزامات جانبية قُدّمت إلى واشنطن مقابل الوصول إلى السلطة، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى محاولة إعادة صياغة موقع لبنان ودوره وقدرته على الدفاع عن مصالحه الوطنية.

ورأى قبلان أن الجنوب يخوض اليوم واحدة من أخطر الحروب الوجودية التي يواجهها لبنان، مؤكدًا أن دعمه يشكّل ضرورة وطنية وسيادية وشرعية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها.

واتهم السلطة الحالية بمحاولة ابتزاز أبناء الجنوب والتنازل عن عناصر الأمن والسيادة لمصلحة تل أبيب، معتبرًا أنها تتصرف وكأن الجنوب غير موجود، بدل الانخراط في ما وصفه بـ«حرب التثبيت الوطني» وحماية الأرض والسكان.

وشدّد على أن لبنان يحتاج في هذه المرحلة إلى فريق وطني يلتزم قضايا الأمن والتضامن الداخلي والإنقاذ السياسي، معتبرًا أن هذا الفريق غير موجود ضمن لوائح السلطة الحالية.

وانتقد قبلان طريقة تعاطي السلطة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، معتبرًا أنه لا يزال يتنكر حتى للالتزامات الشكلية الواردة في الاتفاق، رغم ما قال إنها تنازلات قدّمها الفريق اللبناني في ملفي الأمن والسيادة.

وأضاف أن استمرار هذا الفريق في اتباع نهج استسلامي، وفق تعبيره، يثير مخاوف جدية، ولا سيما في ظل ما وصفه بالتزامات أمنية غير معلنة ومشاريع قد تؤدي إلى إثارة فتنة داخلية بدوافع خارجية.

وحذّر القوى السياسية والشعب اللبناني من مخاطر الصمت عن أداء السلطة، معتبرًا أن استمرار الوضع على حاله قد يترك البلاد مكشوفة أمام انقسامات داخلية لا سابق لها.

وقال قبلان إن لبنان يقف اليوم أمام دولة لا تقاتل من أجل مصالحها، وسلطة منشغلة بالمنافع الشخصية، داعيًا اللبنانيين إلى إحباط ما وصفه بأخطر فتنة سياسية في تاريخ البلاد، وفرض وقائع سياسية جديدة تحول دون التفريط بالأمن والسيادة.

ورأى أن التحولات المتسارعة في النظامين الدولي والإقليمي تفرض على لبنان إعادة تقييم خياراته، مشيرًا إلى أن موازين القوى في الشرق الأوسط تتغير بسرعة، وأن المنطقة تحتاج إلى تسوية سعودية إيرانية عاجلة لتجنب مزيد من الصراعات والحرائق.

واعتبر أن الهيمنة الأميركية في المنطقة تواجه تحديات كبيرة، وأن التطورات المرتبطة بمضيق هرمز والحرب الأميركية الإيرانية كشفت، وفق رؤيته، عن خسارة استراتيجية طالت واشنطن وإسرائيل، مؤكدًا أن ما يجري حاليًا ليس سوى مناورة بالنار وسط تحولات كبرى في موازين القوة.

وفي رسالة مباشرة إلى السلطة، شدّد قبلان على أنه «لا وطن بلا سيادة وتضامن وتوافق وطني»، معتبرًا أن فقدان الوحدة الداخلية يعني خسارة القدرة على تقرير المصير الوطني.

وقال إن الفريق اللبناني المشارك في المفاوضات التي تقودها واشنطن ضعيف ومذعن، ويتلقى العروض الأمنية من الخارج، مؤكدًا أن سيادة لبنان يجب أن تبقى فوق أي صفقة جانبية أو تفاهم خارجي.

واتهم السلطة بإغلاق الدائرة الوطنية وخنق الصيغة التوافقية التي يقوم عليها النظام اللبناني، ووضع البلاد في قلب فتنة داخلية خطيرة، داعيًا الشعب والقوى السياسية إلى اتخاذ موقف وطني واسع يضع حدًا للنهج الحالي.

وتأتي مواقف قبلان في ظل انقسام سياسي حاد حول كيفية إدارة ملف الجنوب، وحدود الدور الذي يجب أن تؤديه الدولة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى الجدل بشأن المفاوضات والضغوط الخارجية ومستقبل معادلة الأمن والسيادة في لبنان.

ويعكس هذا الخطاب تصاعد الاعتراض على مقاربة السلطة للملفات السيادية، ولا سيما في الأوساط التي ترى أن أي تسوية لا تستند إلى توافق داخلي واسع قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات، بدل توفير الاستقرار وحماية المصالح الوطنية.

كما يبرز في كلام قبلان الربط بين الأزمة اللبنانية والتحولات الإقليمية، إذ يعتبر أن مستقبل لبنان لا يمكن فصله عن الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، ولا عن مسار العلاقات الأميركية الإيرانية والسعودية الإيرانية، وتأثيرها المباشر في التوازنات الداخلية.

وتكشف هذه المواقف حجم الهوة بين القوى اللبنانية بشأن مفهوم السيادة ودور الدولة والعلاقة مع الخارج، في وقت يحتاج فيه البلد إلى توافق سياسي يحول دون انتقال الخلافات من المؤسسات إلى الشارع، ويمنع استخدام الملفات الأمنية والسيادية في الصراع الداخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |