تفخيخ اقتراح قانون الإعلام: عقوبات سجنية على النشر

ندى أيوب – الاخبار
بعد نحو ستة عشر عاماً من النقاشات، يُفترض أن يُعرض «اقتراح قانون الإعلام» على الهيئة العامة لمجلس النواب اليوم. القانون الذي طاول انتظار إقراره، كان يؤمل أن يتضمن مجموعة من الإصلاحات الأساسية، وألّا يُفخَّخ في المراحل الأخيرة من مناقشته بنصّ يجرّم النشر، بعد نضال طويل خاضه العاملون في القطاع الإعلامي لإلغاء العقوبات الجزائية والسجنية بحق الصحافيين والإعلاميين.
لذلك، فإن الكتل النيابية مطالبة بالتوقف ملياً عند الفقرة (ب) من المادة (104) التي أضافتها لجنة الإدارة العدل النيابية إلى اقتراح القانون، وأُعيد تثبيتها ونقلها الى المادة (104) في اللجان النيابية المشتركة، وهي تنص على معاقبة من يقوم بـ«اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» بالحبس لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، مع إمكان تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة في بعض الحالات.
وكان اقتراح القانون، بصيغته التي وردت الى الإدارة والعدل، يتضمن إصلاحات جوهرية، أبرزها إلغاء الملاحقات الجزائية والعقوبات السجنية في قضايا النشر، واعتماد المسؤولية المدنية بدلاً منها، وحصر حالات التحريض على الكراهية والعنف والتمييز وفق «خطة عمل الرباط»، التي تضع ستة معايير دولية لتقييم ما إذا كان المحتوى الإعلامي أو الصحافي يشكل تحريضاً على الكراهية أو العنف أو التمييز، بما يحدّ من التفسيرات التعسفية.
ويؤكد ذلك أن فلسفة اقتراح القانون وجوهره يقومان على تحرير العاملين في القطاع الإعلامي من المسؤولية الجزائية، وحمايتهم من الملاحقات والأحكام التعسفية التي قد تطاول المؤسسات الإعلامية وكل من يمارس حقه في التعبير. إلا أن الفقرة (ب) تشكل التفافاً على هذا التوجه، إذ تعيد عملياً تجريم النشر بعد إلغاء تجريم القدح والذم، عبر فتح الباب أمام الادعاء بجرم نشر «أخبار كاذبة ومؤذية»، استناداً إلى عبارات فضفاضة وغير محددة، تتيح تفسيرات واسعة.
ولا يدور النقاش حول ضرورة مواجهة المعلومات الخاطئة أو المضللة، بل حول الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك. إذ تختار السلطة الطريق الأسهل، من دون اكتراث بحماية حرية التعبير، فيما تعزيز شفافية المؤسسات العامة، وضمان الحق في الوصول إلى المعلومات، وتطوير التربية الإعلامية، وتنمية التفكير النقدي، ودعم صحافة مهنية قادرة على التحقق من المعلومات، كلها بدائل أكثر فاعلية في التحقق من المعلومات.
وعليه، فإن مجلس النواب مطالب بإقرار قانون إعلام عصري يكفل الحق في حرية التعبير، ويشمل إلغاء تجريم القدح والذم والتحقير وانتقاد الموظفين العموميين، وحظر التوقيف الاحتياطي في القضايا المرتبطة بالتعبير عن الرأي. ومن شأن ذلك أن يحقق إصلاحاً جوهرياً يقوم على اعتماد المسؤولية المدنية في قضايا النشر.
فبعد ستة عشر عاماً من النقاش، ينتظر العاملون في القطاع الإعلامي ومؤسساتهم إطاراً تشريعياً يعزز حرية الإعلام المسؤولة، بدلاً من استحداث مداخل جديدة لتجريم الكلمة وتشريع سجن أصحابها.
والجدير بالذكر أن 14 منظمة حقوقية لبنانية ودولية، بينها أعضاء في «تحالف حرية الرأي والتعبير في لبنان»، أصدرت بيانات دعت فيها مجلس النواب إلى ضمان أن يكفل قانون الإعلام، بصيغته النهائية، الحق في حرية التعبير.




