هكذا حاولوا تفخيخ العفو العام بقانون إلغاء الإعدام

نداء الوطن – فتات عيّاد
اتخذت أصداء خروج نواب القوات اللبنانية من جلسة مجلس النواب الأخيرة مدى أكبر من الفضيحة التي أدّت إلى خروجهم، وهي “أرنب” الرئيس نبيه بري، المتجسّد في إضافة النائب علي حسن خليل “الفخّ” مادة إلى مشروع القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ربطت بين هذا القانون وقانون العفو العام. والهدف: إقفال الباب أمام الإسلاميين، عبر منعهم من الاستفادة من تخفيضات العقوبات في قانون العفو حتى لو أقر!
ولعلّ أخطر ما يحصل اليوم هو “تحوير” الأزمة: فتفخيخ “الثنائي” الشيعي للقوانين، ظاهره شرذمة النواب السنة عبر الإيحاء بأن القوات اللبنانية انقلبت على دعمها لملف مظلومية الإسلاميين الذين حاكمتهم المحكمة العسكرية في العهود السابقة، باسم “حزب الله”، لا باسم الشعب اللبناني، لكن باطنه هو ضمان خروج آلاف تجار المخدرات من السجن، مقابل عدم خروج أحمد الأسير و146 سجينا “إسلاميًا” قريبًا.
في السياق، أتى اجتماع “النواب السنة” بمخرجات قضت بتشكيل لجنة من نواب يعملون على إدخال تعديلات على قانون العفو، فيما هناك دفع في الكواليس للإبقاء على الثوابت التي اتُفق عليها في اجتماع النواب السنة مع رئيس الحكومة سابقًا. فكيف أصبح الإصلاح عبر مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام تفخيخًا لمشروع قانون آخر، هو العفو العام؟ ولماذا بات تعديل قانون العفو العام وإقراره قبل مشروع إلغاء عقوبة الإعدام أمرًا ملحًا؟
التعديل الفخ
غالبية الإسلاميين هم من فئة تستفيد من “تخفيض العقوبات” في مشروع قانون العفو. وما حصل فعليًا كان ربط اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان باقتراح قانون “منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي”، عبر إضافة مادة إلى اقتراح القانون الأول تُحيل مباشرة إلى قانون تنفيذ العقوبات رقم 463، تاريخ 17/9/2002، وليس إلى قانون العقوبات كما يُشاع.
ففي اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، تنص المادة الخامسة، في البند (ب) الذي أضافه النائبان علي حسن خليل وأشرف بيضون، على أنه: “لا يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام المستبدلة عقوبتهم بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة إلا من التخفيض المنصوص عليه في قانون تنفيذ العقوبات رقم 463 تاريخ 17/9/2002”.
وتكمن خطورة هذه المادة في أنها لا تكتفي باستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، بل تجعل أي استفادة لاحقة خاضعة حصرًا لقانون تنفيذ العقوبات.
قانون تنفيذ العقوبات لا يخفض عقوبة الإعدام
وهنا تكمن الإشكالية القانونية الأساسية. فقانون تنفيذ العقوبات لا ينص على استبدال عقوبة الإعدام، بل يفترض أن هذا الاستبدال حصل مسبقًا، سواء بموجب قانون عفو عام أو مرسوم عفو خاص، ثم ينظّم فقط شروط طلب تخفيض العقوبة.
فقد نصت المادة الرابعة، في الفئة الثانية، البند (2)، على أنه: “أما المحكوم عليه الذي سبق أن استفاد من استبدال عقوبة الإعدام بمؤبد، بموجب حكم مستند إلى قانون عفو عام أو بموجب مرسوم عفو خاص، فلا يتقدم بطلب التخفيض إلا إذا نفّذ من عقوبته خمسًا وعشرين سنة على الأقل…”.
أي إن قانون تنفيذ العقوبات لا يمنح تخفيضًا تلقائيًا لعقوبة الإعدام، بل يشترط أولا استبدالها بالمؤبد، ثم لا يجيز طلب تخفيضها إلا بعد مرور خمس وعشرين سنة على الأقل.
ويزداد الأمر تعقيدًا لأن المادة الخامسة عشرة من قانون تنفيذ العقوبات تستثني أصلا من منحة تخفيض العقوبة الجنايات الواقعة على أمن الدولة وعلى المال العام، وهي الفئة التي تندرج ضمنها غالبية الجرائم التي يُحاكم بها من يُصنّفون ضمن ملفات الإرهاب، ومن بينهم الشيخ أحمد الأسير.
وبالتالي، فإن ربط اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام بقانون تنفيذ العقوبات لا يؤدي إلى النتيجة التي يُقال إنه يُراد تحقيقها، بل يجعل الاستفادة خاضعة لشروط هذا القانون واستثناءاته.
منعا للالتفاف: عدّلوا قانون العفو العام
من هنا كانت صرخة نواب القوات اللبنانية، التي دفعتهم إلى الانسحاب من الجلسة التشريعية وعدم السير في اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام بصيغته المطروحة.
وفي هذا السياق، تقول عضو تكتل “الجمهورية القوية”، النائب غادة أيوب: “اعتراضنا لم يكن على مبدأ استبدال عقوبة الإعدام، بل على المكان التشريعي الذي أُدرج فيه هذا التعديل. فإذا كانت النية فعلا تمكين هذه الفئة، الشيخ أحمد الأسير والإسلاميين، من الاستفادة من تخفيض العقوبة، فلماذا لا يُنص على ذلك مباشرة في اقتراح قانون العفو العام، وهو القانون الاستثنائي الذي وُضع أساسا لمعالجة أوضاعها”؟
وتضيف: “ما طُرح هو الالتفاف على قانون العفو العام عبر اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، ثم إحالة المحكومين إلى قانون تنفيذ العقوبات، الذي لا يستبدل عقوبة الإعدام أصلا، بل ينظّم فقط شروط تخفيضها بعد استبدالها، ويستثني جرائم أمن الدولة من منحة التخفيض”.
وتتابع: “أما إذا كان الهدف فعلا تمكين هذه الفئة من الاستفادة من التخفيض إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، فليُعدَّل اقتراح قانون العفو العام مباشرة، بحيث تصبح العقوبة المرجعية هي الأشغال الشاقة المؤبدة، ومن ثم تُطبّق عليها أحكام التخفيض الاستثنائية الواردة في قانون العفو العام، أي سبعة عشر عامًا، من دون إحالتها إلى قانون تنفيذ العقوبات”.
قانون العفو العام… تعديله ليس محرمًا
ومن المهم توضيح أن الشيخ الأسير لا يستفيد من العفو العام بمعنى إسقاط الجرم، لأنه من الفئات المستثناة من العفو، وإنما يدور النقاش حول تخفيض العقوبة المنصوص عليه في اقتراح قانون العفو.
ففي المادة الثالثة من اقتراح القانون، تنص الصيغة الحالية على استبدال عقوبة الإعدام بثمانية وعشرين عامًا، وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بسبعة عشر عامًا.
وهنا تطرح القوات اللبنانية السؤال الجوهري: إذا كان مؤيدو التعديل يقولون إن استبدال عقوبة الإعدام بالمؤبد في اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام سيؤدي لاحقًا إلى استفادة المحكوم من تخفيض المؤبد إلى سبعة عشر عامًا، فلماذا لا يُنص على هذه النتيجة مباشرة في قانون العفو العام، من دون المرور بقانون تنفيذ العقوبات، بما يتضمنه من شروط واستثناءات؟
وتختم أيوب بالقول: “الحل التشريعي الأبسط والأوضح والأكثر انسجامًا مع الأصول هو تعديل اقتراح قانون العفو العام نفسه، لأنه القانون الاستثنائي الذي يعالج هذه الفئة. أما الالتفاف عليه عبر اقتراح قانون عام يحيل إلى قانون تنفيذ العقوبات، فلا يحقق النتيجة التي يُقال إنه يُراد الوصول إليها، ويعرّض قانون العفو العام نفسه لخطر التعطيل أو عدم الإقرار”.
سُنّة بري!
هذا التخوف لدى نواب القوات يتقاطع مع تخوف مماثل لدى بعض النواب السنة، من أن تكون بعض الكتل النيابية، وتحديدا “الثنائي الشيعي”، أي حركة “أمل” و “حزب الله”، تسعى إلى أخذ ما تريده من تعديلات على قانون العقوبات من بوابة إلغاء عقوبة الإعدام، في حين يصبح إقرار العفو العام بعدها مهددًا.
وهذه المخاوف يعززها إدراج قانون إلغاء عقوبة الإعدام قبل العفو العام، الذي وُضع في أسفل جدول الجلسة النيابية، ما اعتُبر إشارة إلى نية مبيّتة لتطيير النصاب قبل الوصول إلى إقراره، إذ لا ضمانات لبقاء النصاب لو أُقرّ قانون إلغاء عقوبة الإعدام واتخذ “الثنائي الشيعي” منه ما يريده.
في المقابل، فإن دورًا سلبيًا يلعبه نواب سنة مقرّبون من الرئيس نبيه بري، عبر كلمة سر قوامها: “لا تعديل في قانون العفو العام… ما تقربوا صوبه”.
ريفي: فريق سياسي يفخخ القوانين
النائب أشرف ريفي، وهو من النواب الرافضين لـ”تفخيخ” قانون إلغاء عقوبة الإعدام، يقول في حديث لـ”نداء الوطن”، مختصرًا المشهدية: “عيب علينا نحضر جلسة يطلع فيها تجار المخدرات وما تنرفع المظلومية عن الشيخ أحمد الأسير”، مشددًا على أن “هناك فريقًا سياسيًا يفخخ كل المواد التي نتفق عليها في آخر لحظة، للحؤول دون إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير، وهو لا يعلن موقفه بشكل واضح، لكن الترجمة واضحة، علما أننا تقدمنا بطرح أكد فيه الأسير استعداده لقضاء فترة خارج البلاد، مع طلب وحيد هو قراءة الفاتحة على قبر أبيه قبل مغادرة لبنان، على أن يغادر في اليوم نفسه، ورغم ذلك يعطّلون خروجه”.
وعن سياق مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام، يعلّق ريفي بالقول: “الدولة اللبنانية محشورة بضرورة إلغاء عقوبة الإعدام، من باب الإصلاح، لكن وجب خفضها إلى العقوبة التي تليها مباشرة، وهي المؤبد، لكننا تفاجأنا بعبارة “مؤبد مشدد” التي لم نسمع بها إلا في لبنان”.
لكن المشكلة الحقيقية، بالنسبة إلى ريفي، “لا تتمثل بهذه المفردة فقط، بل بإلحاق مشروع القانون بمادة تحيل من يطالب باستبدال عقوبة الإعدام بالمؤبد إلى قانون تنفيذ العقوبات، ومفادها أن من لم يقضِ 25 سنة سجنية فعلية لا يحق له المطالبة بتخفيض العقوبة، وهي ما نعتبره التفخيخ الأساسي الذي ينسف قانون العفو العام”.
في السياق، يقول ريفي: “هناك من يعتبر نفسه فوق المحاسبة، ويحاول التصرف كما تصرّف عام 2011 في قضية عودة المبعدين قسرًا، التي “ساير” فيها المسيحيين من اليمين ولغّمها لهم من الشمال، فعبّر عن موافقته رابطًا إياها بصدور المراسيم التطبيقية، التي لم تصدر طيلة 15 عامًا، لكن هذا التذاكي لم يعد ينطلي على اللبنانيين. وإذا لم يقرأ هذا “الحزب” التحولات السياسية، فنقول له: لن تدفع ثمن إجرامك السابق وحسب، بل ثمن غبائك الحالي، ولا لبنانيتك”.
ويكمل: “أنا مكوّن لبناني مثلي مثلك. إنت بكل وقاحة عم بتطالب بتجار المخدرات، وهناك مذكرات توقيف بحق عشرات الآلاف من تجار المخدرات، بينما أنا أطالب بـ146 سجينًا، غالبيتهم مظلومون أساسًا، ونحن نحترم دماء الشهداء من الجيش اللبناني، ونطالب بإنصاف المظلومين من المسجونين، دون المرتكبين، وبتطبيق العدالة ورفع المظلومية، أي إننا حتى لا نريد عفوًا عامًا لو طُبّقت العدالة، التي عطّلتها أنت عبر أحكام المحكمة العسكرية، التي سيأتي يوم يُحاسب فيه قضاتها المتواطئون”.
ومقابل ما يسميه ريفي “وقاحة وتعاليًا وتفخيخًا للقوانين واستمرارًا بعقلية أنني أنا أحكم البلد”، يقول لـ “حزب الله”: “يا بتبني شراكة وطنية متساوية، يا رح تدفع ثمن غالي جدا”. أما للذين يصطادون في الماء العكر، فيقول ريفي: “قابلت رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، منذ أيام، وأكد لنا أنه مع قضية الموقوفين الإسلاميين، وهناك قاسم مشترك مع النواب السنة يتمثل في التعديلات التي اقتُرحت في جلسة مع الرئيس نواف سلام”.
صادر: مش هيك بيشتغلوا قانون!
رئيس مجلس شورى الدولة السابق، القاضي شكري صادر، يصف المشهدية في حديث لـ “نداء الوطن” بأنها “بازار سياسي لا علاقة له بالقوانين”. فالتعديلات على القوانين، كما هي مطروحة اليوم، لا تستوفي مقومات القانون ولا المعايير القانونية التي تسمح بإجراء عفو عام برمّته. ويسأل: “كيف نطلب من “حزب الله” أن يوافق بالتراضي على إخراج من وضعهم هو في السجون”؟
كما ينتقد صادر بطء المحاكمات، الذي أدى إلى واقع مظلومية السجون اليوم، سائلا: “أين العدالة في ظل تقصير العدلية؟ وهل يعقل أن يبقى شخص مسجونًا 12 سنة سجنية بلا محاكمة، بينما محكوميته تكون 5 سنوات؟ أي عدل يبقيه موقوفًا فترة أطول من محكوميته؟ ثم نقول له اليوم: جئنا لنخفض لك مدة سجنك بميزان الجوهرجي؟!”. من هنا، يرى صادر أنه لا معايير قانونية مطروحة اليوم تعالج كل هذه المظلوميات.
أما عن الشيخ الأسير تحديدًا، فوصف ما جرى في جلسة مجلس النواب الأخيرة بـ”البازار”، أي “كأن تاجرًا محنكًا يعرض بضاعة على تاجر لا يفهم شيئا”، معتبرًا أن على العفو العام إما أن يطال الجميع، من دون معايير تمنع استفادة بعضهم لصالح آخرين، أو أننا سنكون أمام نهج الاستمرار في البازار.
وفي السياق، يسأل صادر: هل هناك مسجونون في السجن اليوم في ذمتهم شهداء أو قتلى أكثر مما في ذمة زعماء المافيات في الحرب الأهلية في لبنان، الذين أصدروا عفوًا عامًا عن أنفسهم وغلّفوه بأسباب سياسية؟ ففي رقبة كل واحد منهم مئات القتلى، و”مش هيك بيشتغلوا قانون”.
ثوابت اجتماع الرئيس سلام
تعديل آخر في قانون العفو قد يطرأ وتحديداً في المادة 5 التي تنص على أنه: “استثنائيا، في كل الجرائم المرتكبة قبل 1/3/2026، والتي لم يصدر أي حكم فيها، وفي حال تجاوزت مدة التوقيف 14 سنة سجنية، على القاضي تخلية سبيل المدعى عليه حكمًا، وتستمر محاكمته وفقًا للأصول القانونية”.
هذه المادة يُعمل اليوم على تعديلها لتصبح: “12 سنة سجنية، سواء صدر أو لم يصدر حكم”، فالأسير لديه حكم مبرم، ولن يستفيد منها من دون التعديل. وهي إحدى أبرز ثوابت اجتماع النواب مع الرئيس نواف سلام كما أن هناك تعديلا يتعلق بالحق الشخصي فيما خص العفو العام، وتعديلا يختص بتجار المخدرات فيما خص قانون إلغاء عقوبة الإعدام.
العفو العام معدّلا… أولا!
فهل ما خرّبه “أرنب” الرئيس نبيه بري، عبر اقتراح علي حسن خليل “الفخ” بإضافة مادة إلى مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام، ربطت بين قانون العفو وقانون تنفيذ العقوبات، أصبح على سكة الحل باجتماع النواب السنة؟
فالمطلوب توحيد الموقف عبر إدخال تعديلات على قانون العفو العام، وجعل إقراره أولوية، وفك ارتباطه عن قانون إلغاء عقوبة الإعدام، انطلاقًا من الثوابت التي اتُفق عليها خلال الاجتماع مع رئيس الحكومة نواف سلام، منعا “للثنائي” الشيعي من تكريس المظلومية التشريعية للإسلاميين، بعدما كرّس “حزب الله” مظلوميتهم من بوابة المحكمة العسكرية!




