إسرائيل تتوغّل لنسف الاتفاق؟!

بين “المحادثات العميقة جدّاً مع إيران”، واحتمال “العودة إلى عمل عسكريّ قويّ جدّاً ضدّ إيران”، كما قال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وفي ظلّ حبس الأنفاس قبل تبلور نتائج لقاء الرئيس الأميركيّ برئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، يتأرجح مصير “المناطق التجريبيّة”، ومصير اتّفاق الإطار نفسه الذي زادت وتيرة انتهاك بنوده من قبل العدوّ الإسرائيليّ، وصولاً إلى تنفيذ توغّلات جديدة في جنوبيّ لبنان.
يمكن رَصد ثلاثة مؤشّرات سلبيّة للنتائج الأولى لزيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن:
ـ بيان قيادة الجيش الذي فصّل الاعتداءات الإسرائيليّة، وجزء منها ارتكبه العدوّ غداة عودة عون من واشنطن، وصولاً إلى إطلاق النار على نقاط بالقرب من مواقع تمركز الجيش في كفرتبنيت والنبطيّة الفوقا، وزوطر الغربيّة المشمولة بالمناطق التجريبيّة في مرحلتها الأولى، إلى جانب فرون وصريفا. يشمل إطلاق النار على الجيش في هذه البلدات الجنوبيّة، وفق مصدر مطّلع، المسار، أو المحيط، المؤدّي إلى مرتفعات عليّ الطاهر، التي تكثر التسريبات عن احتمال شنّ إسرائيل هجوماً عسكريّاً للسيطرة عليها.
ـ المواقف التي أطلقها رئيس الجمهوريّة، العائد بسلّة وعود وتعهّدات من “صديقه” الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وهذه المواقف تُعاكس الإيجابيّات التي أُغرِقت فيها الزيارة، سيما لجهة إشارته إلى “الخشية من أن تؤدّي الممارسات الإسرائيليّة إلى التأثير على فعّاليّة صيغة اتّفاق الإطار، ولبنان لن يقبل باستمرار خرق بنودها”.
ـ تأكيد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، قبل لقاء ترامب بنتنياهو، “أنّنا دمّرنا 70% من غزّة ونقلنا نموذجها إلى لبنان”، قائلاً: “ترامب يدرك أنّنا لن نتخلّى عن المناطق العازلة في لبنان وسوريا وغزّة”.
توغّلات إسرائيليّة
يقول مصدر ميدانيّ لـ “أساس”: “فعليّاً، لا يمكن الحديث عن بدء انسحاب، ربطاً بتنفيذ اتّفاق الإطار، بل توسّع في التوغّل، أي زيادة نسبة الاحتلال لا تقليصها، كما حصل في بيت ياحون والبيّاضة، حيث يتقدّم العدوّ ويتراجع مع السيطرة العسكريّة، إضافة إلى الانتهاكات الإسرائيليّة للاتّفاق، خصوصاً التفجيرات العنيفة، واستهداف الجيش، مع الإشارة إلى نقطة أساسيّة: أيّ استيلاء على مساحات جديدة في الجنوب لا يقتضي بالضرورة التقدّم باتّجاهها بالآليّات والمشاة، فالإسرائيليّ يعمد إلى استخدام نماذج متطوّرة من “الدرونز” مزوّدة بحبل يتمّ سحبه نزولاً، ويتولّى بتقنيّة معيّنة ترسيم حدود الخطّ الأصفر. وعليه، مساحات كبيرة من المنطقة الأمنيّة العازلة لا يوجد فيها الإسرائيليّ بالضرورة عسكريّاً، لكنّه يملك السيطرة عليها، وتدخلها الدوريّات، أو يقوم بتفجيرات فيها ثمّ ينسحب”.
يشير المصدر إلى تفصيل أساسيّ: “حين يقال إنّ العدوّ الإسرائيليّ لديه سيطرة بالنيران على بلدة جنوبيّة (أي لا يوجد فيها)، فهذا الواقع ينطبق، بحكم الأمر الواقع وموازين القوى، على كلّ الأراضي اللبنانيّة، وهذا الواقع يتحكّم بكلّ تفصيل في المفاوضات”.
روما 2
لن تكون اجتماعات روما 2 في الرابع من آب المقبل شبيهة فعليّاً باجتماعات روما 1، في 14 و15 تمّوز الماضي، التي اختصرها بيان السفارة الأميركيّة آنذاك بـ”الاتّفاق على هيكليّة وإرشادات عمليّة للمناطق التجريبيّة”، مؤكّداً أنّه “سيتمّ الانتقال إلى محادثات تقنيّة موسّعة ستركّز على تنفيذ جميع بنود الإطار الثلاثيّ، بهدف التوصّل إلى اتّفاق شامل بين لبنان وإسرائيل”.
تضمّ الجولة السابعة من المفاوضات التي تستضيفها واشنطن، على طاولة السفارة الأميركيّة في روما، أي على الأراضي الأميركيّة، هذه المرّة وفداً عسكريّاً إلى جانب الوفد المدنيّ، وهو نفسه الذي شارك في جولات التفاوض السابقة في واشنطن، ويضمّ: مدير العمليّات في الجيش العميد جورج رزق الله رئيساً للوفد، العميد زياد رزق الله من مديريّة القانون الدوليّ والإنسانيّ، العميد المهندس وائل عبّاس من مديريّة الاستعلام في أركان الجيش للعمليّات، العقيد رشاد بو كرّوم من عمليّات قطاع جنوب الليطاني، العقيد وديع رفّول من المخابرات – فرع الأمن الاستراتيجيّ، والعقيد مازن الحاجّ من مديريّة العمليّات.
تشكّل جولة التفاوض مساحة تقويم تقنيّ عسكريّ لمحادثات روما 1، وتوسّعاً باتّجاه الأطر التنفيذيّة والعملانيّة للاتّفاق، وأوّلها المناطق التجريبيّة، وحَسم الجهة التي ستتولّى التحقّق ممّا قام به الجيش اللبنانيّ في المنطقة التجريبيّة الأولى، وحسم أيضاً آليّة تنفيذ الاتّفاق والتنسيق المشترك غير المتّفق عليها بشكل واضح حتّى الآن.
روما يقوّم أداء الجيش… وإسرائيل في قفص الاتّهام
وفق المعلومات، ستكون على طاولة روما ثلاثة تقارير: تقرير الجيش اللبنانيّ، والإسرائيلي، والتقرير الذي سيعدّه رئيس لجنة التنسيق العسكريّ من أجل لبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد.
شهد اجتماع “روما 1” نقاشات تناولت المنطقة التجريبيّة الثانية، لكن لم يتمّ التوافق عليها حتّى الآن، فيما يعوّل لبنان على أن يحصل التوافق في الاجتماع المقبل، ويؤكّد ضرورة أن تشمل المنطقة التجريبيّة بلدات محتلّة بالكامل.
تفيد معلومات “أساس” بأنّ لبنان كان ينتظر وصول الوفد العسكريّ الآتي من واشنطن، للتباحث في مسائل تفصيليّة، بينها آليّة التنفيذ، لكن على ما يبدو سيلتقي الوفدان العسكريّان، اللبنانيّ والأميركيّ، في روما خلال مباحثات 4 و5 آب.
ربّما الحساسيّة الكبرى للاجتماع تتبلور من خلال التقويم الأميركيّ-الإسرائيليّ لما أنجزه الجيش اللبنانيّ في المنطقة التجريبيّة الأولى، فيما سيخوض ضبّاطه مواجهة فعليّة للتأكيد أنّ المعرقل الأوّل والوحيد هو الإسرائيليّ، إضافة إلى المطلب الملحّ لدعم الجيش لتمكينه من الانتشار على كامل مساحة الجنوب. وهو انتشار يختلف كلّيّاً عن انتشاره السابق، على مدى عقود في الجنوب، لأنّه مرتبط بمهمّة التأكّد من خلوّ المناطق التي يدخل إليها من السلاح أو سحبه.
تشكيك في الجيش
من واشنطن، حيث يلتقي ترامب بنتنياهو، واجتماع روما المرتقب على مدى يومين، يُفترض أن تُترجَم تأكيدات رئيس الجمهوريّة المعلنة في 14 تمّوز الماضي، التي تلت اجتماع روما الأوّل، وسبقت زيارته للبيت الأبيض، ومفادها أنّ “صيغة الإطار بدأت تعطي مفاعيلها، وواشنطن باتت تصغي إلينا، وملفّ لبنان على طاولة الرئيس الأميركيّ”.
لكن تدلّ جميع المؤشّرات حتّى الآن إلى عرقلة إسرائيليّة، غير مضبوطة، لا ترتبط فقط بإعلان نتنياهو “البقاء في المنطقة الأمنيّة في لبنان وسوريا وغزّة”، بل تتكرّس على أرض الواقع من خلال محاصرة الجيش اللبنانيّ، المولج بالتنفيذ، والتشكيك في قدراته على التزام التنفيذ ضمن سياق مقاربة إسرائيليّة بالغة الوقاحة، فيما توغل تل أبيب بنسف كلّ تفاهم حصل معها منذ اتّفاق تشرين الثاني 2024 حتّى اتّفاق 26 حزيران 2026.
ملاك عقيل – اساس ميديا




