أخبار محلية

تحوّلات في علي الطاهر: واشنطن تقدم إلى لبنان “العصا والجزرة”

فيما انتهت الجولة السابعة من المفاوضات في روما إلى فشل واضح، أطلقت إسرائيل يدها في الجنوب متجاوزة الكثير من الضوابط. وإذ تحبس المناطق الجنوبية أنفاسها على وقع تفجيرات متواصلة، اتخذ لبنان موقفًا أكثر حزمًا، وبدأ يلوّح بتعليق مشاركته في جولة المفاوضات المقبلة، المقررة مبدئيًا في مطلع أيلول، ما لم توافق إسرائيل على تلبية شروطه الثلاثة: إنهاء الأعمال القتالية والغارات والانتهاكات الميدانية، وتوسيع المناطق النموذجية بإدخال منطقة تجريبية جديدة يُطرح أن تضم بنت جبيل أو الخيام، والوقف الفوري لعمليات هدم المنازل وجرف الأحياء السكنية والبساتين والحقول الزراعية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في الجنوب.

وكشفت مصادر ميدانية لـ”المدن” أن العملية التي تحدث عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في علي الطاهر، تتمثل في إدخال القوات الإسرائيلية روبوتات آلية يتم التحكم بها عن بُعد باتجاه المنطقة. وتضيف المصادر أن الجيش الإسرائيلي استخدم طريقًا خلفية من شرق معبر كفرتبنيت إلى شمالها، ووصل إلى سفح علي الطاهر. وبحسب المصادر نفسها، اكتشف الجيش الإسرائيلي فتحات أنفاق تؤدي إلى عمق علي الطاهر، وعمد إلى ضخ غازات سامة فيها.

وحتى الآن، وعلى الرغم من التهديد اللبناني بتعطيل جولة المفاوضات، لم يتغيّر شيء في السلوك الإسرائيلي جنوبًا. بل اتجه الوضع نحو مزيد من التصعيد خلال الساعات الماضية، إذ توغّلت قوات إسرائيلية مدعومة بجرافات في محيط حداثا، وواصلت أعمال الهدم والجرف في زوطر الشرقية، بعدما كانت قد توغّلت أمس وأقامت ساترًا ترابيًا جديدًا داخل زوطر الغربية، التي يُفترض أنها باتت خاضعة لسيطرة الجيش اللبناني بموجب المرحلة التجريبية الأولى.

ولا يُتوقع حدوث تحوّل في السلوك الإسرائيلي، إلا إذا نجحت مهمة رئيس لجنة المراقبة والتنسيق، الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، المنتظر وصوله إلى لبنان قريبًا لبدء محادثاته بين لبنان وإسرائيل، بهدف تذليل العقبات أمام الجولة الثامنة من المفاوضات.

وفي الأثناء، انطلق في واشنطن تحرّك تشريعي استباقي لافت في شأن لبنان، إذ طرح السيناتوران جين شاهين، عن الحزب الديمقراطي، وجيمس لانكفورد، عن الحزب الجمهوري، مشروع قانون يرتكز إلى معادلة توحي باتجاه أميركي إلى اعتماد قاعدة “العصا والجزرة” مع لبنان: عقوبات وضغوط مرتبطة بنزع سلاح “حزب الله”، مقابل مساعدات أمنية واقتصادية وإعادة إعمار.

وفي الموازاة، تحدّثت تقارير عن نشاط تركي على خط دمشق، بيروت لفتح قناة تواصل وتبادل تطمينات بين القيادة السورية و”حزب الله”، بهدف الحد من التوترات الحدودية، مع إبداء أنقرة استعدادها للمشاركة اقتصاديًا وعسكريًا ضمن قوة دولية يُرجّح نشرها مستقبلًا في لبنان.

وبذلك، يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية، محكومة بما سيفعله الميدان قبل موعد أيلول، وبما إذا كانت الوساطة الأميركية قادرة على إعادة وصل ما انقطع في روما.

نتنياهو: “نشاط مهم جدًا” في لبنان

وفي توقيت يتقاطع مع التصعيد الميداني، خرج نتنياهو ليعلن أن إسرائيل تنفذ “نشاطًا مهمًا جدًا” في لبنان، من دون أن يكشف تفاصيله.

وقال نتنياهو إن إسرائيل “عملت بقوة في لبنان خلال الأيام الأخيرة”، مدعيًا قتل مسلحين، بينهم في منطقة مرتفعات علي الطاهر. وأضاف: “لا أستطيع تفصيل ذلك. نحن داخل نشاط مهم جدًا”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تعمل “بحكمة وعقلانية، وبحزم أيضًا”، بهدف ما وصفه بـ”إزالة التهديدات”.

لكن ما لم يقله نتنياهو علنًا تكشف مصادر ميدانية لـ”المدن” جانبًا منه. فبحسب هذه المصادر، أدخل الجيش الإسرائيلي روبوتات آلية يتم التحكم بها عن بُعد باتجاه علي الطاهر، مستفيدًا من طريق خلفية من شرق معبر كفرتبنيت إلى شمالها للوصول إلى سفح المرتفعات.

وتقول المصادر إن القوات الإسرائيلية اكتشفت فتحات أنفاق تؤدي إلى عمق علي الطاهر، وعمدت إلى ضخ غازات سامة داخلها. وتضع هذه المعطيات، في حال تثبّتها، تصريح نتنياهو عن “النشاط المهم” في سياق عملية ميدانية أوسع من القصف المدفعي والغارات التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة.

وتكتسب منطقة علي الطاهر حساسية خاصة بالنظر إلى موقعها المطلّ على مناطق واسعة في محيط النبطية وكفرتبنيت، فيما شهدت مرتفعاتها وأحراجها خلال الساعات الماضية قصفًا مدفعيًا وتحليقًا مكثفًا للمسيّرات الإسرائيلية.

التصعيد يتجاوز علي الطاهر

ولم تنحصر العمليات الإسرائيلية بعلي الطاهر. فقد شهد الجنوب خلال الساعات الماضية سلسلة تحركات ميدانية، بينها توغّل آليات إسرائيلية من جهة حداثا باتجاه أطراف عيتا الجبل، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه البلدة.

وفي زوطر الشرقية، واصل الجيش الإسرائيلي عمليات هدم وتجريف المنازل، فيما كانت القوات الإسرائيلية قد توغلت في اليوم السابق باتجاه زوطر الغربية وأقامت ساترًا ترابيًا جديدًا داخل البلدة.

وتحمل التطورات في زوطر الغربية دلالة إضافية، لكون البلدة تمثل أولى المناطق التجريبية التي يُفترض أن يكون الجيش اللبناني قد تسلّم السيطرة عليها بعد الانسحاب الإسرائيلي. ولذلك، فإن استمرار التحركات الإسرائيلية داخلها أو على أطرافها يضرب في صميم النموذج الذي كان يفترض أن يمهّد لتوسيع التجربة إلى مناطق أخرى.

كما استهدفت قذيفة إسرائيلية مشاع بلدة المنصوري، بالتزامن مع تحليق للطيران المسيّر الإسرائيلي على علو منخفض في أجواء مدينة صور ومحيطها.

ويأتي ذلك بعد ليلة شهدت تفجيرات عنيفة في منطقة زوطر، تردد صداها إلى مناطق بعيدة، بالتوازي مع قصف مدفعي وتحليق مكثف للمسيّرات.

زوطر ومعركة الرواية الإسرائيلية

وفي موازاة العمليات العسكرية، بدأت إسرائيل تبني رواية أمنية حول ما يجري داخل زوطر الغربية، تربط من خلالها عودة النشاط المدني والإغاثي إلى البلدة بمحاولة “حزب الله” إعادة تثبيت نفوذه فيها.

وفي هذا السياق، زعم مركز “ألما” الإسرائيلي أن “حزب الله يواصل ترسيخ نفوذه في أولى المناطق التجريبية”، مستندًا إلى دخول “الهيئة الصحية الإسلامية” و”جمعية وتعاونوا الخيرية” إلى زوطر الغربية بعد انتشار الجيش اللبناني.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، أنشأت “جمعية وتعاونوا” مركزًا مؤقتًا للمجلس البلدي ومركزًا للخدمات، وقدّمت الطعام والمساعدات للأهالي العائدين، وتعاونت مع الجيش اللبناني والدفاع المدني في أعمال التنظيف وإعادة التأهيل.

غير أن المركز الإسرائيلي نقل هذه الأنشطة من إطارها المدني إلى قراءة أمنية، مدعيًا أنها تتيح لـ”حزب الله” إعادة ترسيخ نفوذه الاجتماعي تمهيدًا لإعادة بناء وجوده العسكري والأمني لاحقًا، من دون تقديم دليل مستقل على وجود نشاط عسكري للحزب حاليًا داخل البلدة.

وتكمن خطورة هذه الرواية في أنها تمنح إسرائيل أرضية لتوسيع تعريفها لما تعتبره “تهديدًا” في المناطق التي تنسحب منها. فإذا بات وجود مؤسسات اجتماعية محسوبة على بيئة “حزب الله” كافيًا لاتهام الحزب بإعادة بناء بنيته العسكرية، يصبح بإمكان إسرائيل استخدام النشاط المدني والإغاثي نفسه ذريعة لاستمرار عملياتها أو رفض الانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية.

بيروت ترفع سقف شروطها

في المقابل، بات الموقف اللبناني أكثر تشددًا بعد الجولة السابعة من المفاوضات. وعلمت “المدن” أن لبنان يتجه إلى عدم المشاركة في الجولة المقبلة، المرتقبة مبدئيًا في أيلول، إذا لم تسبقها خطوات إسرائيلية واضحة على الأرض.

وبحسب مصادر قريبة من الوفد اللبناني، لم يعد لبنان مستعدًا للذهاب إلى جولة جديدة لمجرد إبقاء المسار التفاوضي حيًا، فيما تستمر إسرائيل في الغارات والتوغلات وعمليات الهدم والتجريف.

ويرتكز الموقف اللبناني على ثلاثة مطالب مترابطة: وقف شامل للأعمال القتالية والانتهاكات، وقف الهدم والتجريف، والانتقال إلى منطقة تجريبية ثانية، مع طرح بنت جبيل والخيام ضمن الخيارات اللبنانية.

وبذلك، يحاول لبنان تحويل الجولة الثامنة من محطة تفاوضية تلقائية إلى استحقاق مشروط بنتائج ملموسة. فبعد سبع جولات، لم يعد السؤال اللبناني متعلقًا باستمرار التفاوض بحد ذاته، بل بما إذا كان التفاوض قادرًا أصلًا على تغيير الوقائع الميدانية.

مهمة كليرفيلد بين الميدان وروما

هنا تحديدًا تبرز أهمية الزيارة المرتقبة للجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، رئيس لجنة المراقبة والتنسيق، الذي يُنتظر أن يبدأ اتصالات بين الجانبين في محاولة لتقريب المواقف قبل موعد الجولة الثامنة.

ومهمة كليرفيلد لن تكون تقنية فقط. فالمطلوب أميركيًا هو منع الانهيار التدريجي للمسار الذي انطلق بعد اتفاق الإطار، وإقناع لبنان بأن المفاوضات قادرة على إنتاج تنازلات إسرائيلية، وفي الوقت نفسه معالجة الاعتراضات الإسرائيلية على تطبيق نموذج المناطق التجريبية.

وبذلك، تتحول زوطر الغربية عمليًا إلى اختبار لمستقبل العملية كلها. فإذا تعثرت التجربة الأولى، سيكون من الصعب الانتقال إلى تجربة ثانية. وإذا استمرت إسرائيل في تنفيذ عمليات داخل المنطقة أو محيطها، سيكون من الأصعب على الوفد اللبناني تبرير العودة إلى طاولة المفاوضات من دون مقابل.

واشنطن: “العصا والجزرة”

وبالتوازي مع الوساطة العسكرية والسياسية، بدأ في واشنطن تحرك تشريعي لافت يرسم ملامح مقاربة أميركية أوسع تجاه لبنان.

فقد طرح السيناتوران جين شاهين وجيمس لانكفورد مشروع قانون يتضمن فرض عقوبات على الجهات الأجنبية التي تمول “حزب الله” أو تعرقل عملية نزع سلاحه، إلى جانب المطالبة بتقارير دورية إلى الكونغرس بشأن التقدم في نزع السلاح وإصلاح القطاع المصرفي.

وفي المقابل، يسمح المشروع بتخصيص 200 مليون دولار سنويًا لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، مع إمكانية رفع المبلغ إلى 300 مليون دولار في حال إحراز تقدم ملموس في ملف “حزب الله”.

كذلك، يتضمن المشروع إنشاء صندوق لإعادة إعمار البنية التحتية ودعم الخدمات المدنية، في معادلة تجمع بوضوح بين الضغط والحوافز: مزيد من المساعدات وإعادة الإعمار في مقابل تقدّم أمني وسياسي في الملفات التي تضعها واشنطن في سلّم أولوياتها.

تركيا تدخل على الخط

أما على الضفة الإقليمية، فتحدثت تقارير عن تحرك تركي لفتح قناة تواصل بين القيادة السورية و”حزب الله”، بهدف تبادل التطمينات وخفض مستوى التوتر على الحدود اللبنانية، السورية.

وبحسب هذه التقارير، تعمل أنقرة على ترتيب لقاء بين الطرفين، فيما أبدت استعدادها للمشاركة اقتصاديًا وعسكريًا ضمن قوة دولية قد يجري نشرها مستقبلًا في لبنان.

وإذا تقدمت هذه الاتصالات، فإنها تضيف مسارًا جديدًا إلى شبكة الوساطات المحيطة بالملف اللبناني، خصوصًا أن العلاقة بين دمشق و”حزب الله” باتت جزءًا من التوازنات الجديدة التي نشأت بعد التحولات السورية.

وبين تحرك واشنطن، ودخول أنقرة على الخط، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل، تبدو الأسابيع الفاصلة عن أيلول أقرب إلى مرحلة اختبار مفتوحة. فإسرائيل تحاول تحسين شروطها بالنار وبناء رواية أمنية تبرر استمرار عملياتها، فيما يحاول لبنان استخدام ورقة تعليق المفاوضات لانتزاع خطوات ميدانية قبل الجولة الثامنة.

أما السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة، فهو ما إذا كان الضغط الأميركي قادرًا على إنتاج هذه الخطوات قبل أيلول، أم أن فشل روما السابعة سيكون مقدمة لتعليق روما الثامنة.

المدن

Toyota

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |