مفاوضات روما لتمرير الوقت والحسم مؤجل

نداء الوطن – كلارا جحا
لا يكاد يمرّ يوم من دون أن يتركّز القصف المدفعي والتفجيرات الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر والقرى المحيطة بها. دويٌّ يهزّ الجنوب، ويمنع أهله من النوم ليلا، ويشي بأن ما يجري ليس مجرّد قصفٍ لانتزاع مواقع استراتيجية، بل تمهيد لمعركة كبرى تُحضَّر إسرائيليًّا على بوابة النبطية.
منذ يومين، نقل موقع “واللا” العبري عن مصادر أمنية إسرائيلية أن عناصر في “حزب الله” لقوا مصرعهم في أنفاق علي الطاهر، وأن الجيش الإسرائيلي بات يسيطر على معظم هذه المرتفعات، ولكن قرارًا اتُّخذ بتجميد الوضع الميداني عند مستواه الحالي ووقف التقدّم التكتيكي، بسبب الحساسية السياسية المحيطة بالمفاوضات بين بيروت وتل أبيب والضغوط الإقليمية والدولية. هذه المعلومات تؤكد، بحسب مصادر عسكريّة مطّلعة، أن الجيش الإسرائيليّ قادر على فتح معركة الحسم الآن والسيطرة على هذه المرتفعات، ولكنه يماطل في انتظار التوقيت المناسب، ويُهيّئ لإخراج العملية بعنصر إبهار يحوّلها إلى إنجاز عسكري وإعلامي يوظّفه نتنياهو في انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول المقبل.
وحتى تحين ساعة الحسم، تؤكد المصادر لـ”نداء الوطن” أن الجيش الإسرائيلي يتحرّك على تلال “علي الطاهر” من دون تثبيت وجوده الكامل، ويتبع سياسة “القضم البطيء”، فيما يستخدم الروبوتات لإقامة تحصينات ثابتة في خطوة لتقليل الخسائر البشرية.
علي الطاهر… بوابة النبطية الأخطر
جغرافيًا، لا يشكّل علي الطاهر تلة منفردة، بل مجموعة مرتفعات تمتدّ كلسان جبلي، بدءًا من كفرتبنيت وعلى امتدادٍ يُقدّر بنحو ثلاثة كيلومترات، وتضمّ ثلاث تلال رئيسية: علي الطاهر والدبشة والضهرة. وتقع هذه السلسلة شمال الليطاني، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر، وتشرف على مدينة النبطية وكفررمان ومحيطهما.
تقول مصادر أمنية لـ”نداء الوطن” إن السيطرة على هذه المرتفعات تمنح إسرائيل إشرافًا ناريًا وميدانيًا واسعًا على النبطية، ولذلك يمكن اعتبار احتلالها هو احتلال كل النبطية ومحيطها، أما نقطة ضعف الموقع لإسرائيل فتكمن في ارتفاع السلاسل الشرقية المقابلة، الممتدة باتجاه الجرمق والريحان وعرمتى، وصولا إلى مرتفعات منطقة جزين، وهي تلال أعلى من “علي الطاهر”، ومن هنا التخوّف من أن احتلال علي الطاهر سيؤدّي لاحقًا إلى التوجه نحو جبل الريحان خصوصًا لأهميّته الاستراتيجيّة والعسكريّة.
وبحسب تقرير صادر عن مركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث والتعليم، لا تقتصر أهمية علي الطاهر على موقعه الجغرافي. إذ يزعم المركز أن “حزب الله” أنشأ تحت المنطقة، خلال السنوات الماضية، بنية عسكرية واسعة. ويشير التقرير إلى أن التلة تشكّل امتدادًا طبوغرافيًا لمنطقة قلعة الشقيف باتجاه الشمال الغربي، وتقوم تحتها شبكة أنفاق يتجاوز طولها كيلومترًا، استُخدمت، وفق روايته، مقرًّا مركزيًا لما يسمّيه “وحدة بدر”، إحدى الوحدات الميدانية الأساسية لـ”الحزب” شمال الليطاني. ويضيف أن المجمّع يضم غرف قيادة ومستودعات ومنشآت قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العناصر، فضلا عن فتحات إطلاق مخفية.
إلاّ أن مصادر عسكريّة تؤكد لـ”نداء الوطن” أن الإعلام الإسرائيلي يعمل على تقديم علي الطاهر بوصفه “بنتاغون حزب الله” وغرفة قيادة الجنوب، رغم أن هناك مراكز وأنفاق أكبر من علي الطاهر في كلّ من جزين وجبل الريحان ومناطق تواجد فيها “الحزب” منذ عام 1982. وتوضح هذه المصادر أنه بخلاف كل ما يُقال، ما زال نفق علي الطاهر مفتوحًا ومتفرعًا نحو القرى المحيطة، ما يفسّر تركّز القصف الإسرائيليّ على الحزام السكني الغربي، ولا سيما كفرتبنيت والنبطية الفوقا والنبطية وكفررمان.
أما الرواية الإسرائيليّة عن محاصرة أعداد كبيرة من عناصر “حزب الله” و”الحرس الثوري” وقطع الإمدادات عنهم بالكامل، فتصفها مصادر “نداء الوطن” بأنها “مضخّمة”. فـ”الحزب”، بحسب معلوماتها، لا يزال يموّن الموجودين داخل المنشأة من إحدى الجهات شمال الليطاني، ووفق تقديرات المصادر، يتواجد داخل المنشأة نحو 65 عنصرًا، غالبيتهم إيرانيون وعراقيون، وبينهم نحو عشرين لبنانيًا فقط.
مرحلة تضييع وقت
وتتوقع المصادر أن تكون إسرائيل في طور التحضير لعملية واسعة لحسم معركة علي الطاهر، على أن يُحدَّد توقيتها وفق الحسابات السياسية والانتخابية. فالفترة الفاصلة عن الانتخابات الإسرائيلية قد تكون مرحلة استنزاف ميداني وتضييع وقت متعمّد، تسبق ضربةً يسوّقها نتنياهو في الداخل بوصفها انتصارًا، ويحوّل نتائجها إلى أداة ضغط في مفاوضات روما لدفع لبنان إلى تقديم تنازلات يرفضها اليوم.
انطلاقًا من ذلك، لا تُبدي مصادر “نداء الوطن” تفاؤلا بإمكان تحقيق خرق في المفاوضات المقبلة: لا مناطق نموذجية جديدة، ولا مؤشرات إلى وقف التدمير المنهجي. وترى أن كسر هذا المسار يتطلّب مقاربة جدّية وقرارات واضحة ومباشرة من مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان “MCG4L” برئاسة الفريق الأميركي جوزيف كليرفيلد، الذي يزور لبنان. فـ”علي الطاهر” لم تعد مجرّد عقدة عسكرية، إنها نقطة الفصل بين مسار تفاوضي تضبطه تفاهمات واضحة، ومسار تفرض إسرائيل قواعده بالنار.



