صدمة “شنغهاي”… إسرائيل تتفوّق والسعودية تجتاح التصنيف ولبنان خارج المنافسة!

كشف تصنيف شنغهاي الأكاديمي للجامعات العالمية لعام 2026 صورة قاتمة عن واقع التعليم العالي في لبنان، بعدما حضرت جامعة لبنانية واحدة فقط بين أفضل 1,000 جامعة في العالم، في مقابل وجود 7 جامعات إسرائيلية، بينها جامعتان ضمن المئة الأولى عالمياً، فضلاً عن تقدّم ملحوظ لعدد من الجامعات العربية، ولا سيما السعودية والمصرية.
ووفق نتائج تصنيف “Academic Ranking of World Universities”، جاءت الجامعة الأميركية في بيروت، وهي الممثل اللبناني الوحيد، ضمن الفئة الممتدة بين المرتبتين 701 و800 عالمياً، واحتلت المرتبة الأولى محلياً. أما سائر الجامعات اللبنانية، بما فيها الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة الكبرى، فغابت بالكامل عن قائمة أفضل 1,000 مؤسسة أكاديمية.
وهنا لا يعود السؤال عن ترتيب جامعة واحدة، بل عن موقع لبنان نفسه. كيف لبلدٍ طالما قدّم جامعاته بوصفها منارات تعليمية في المنطقة أن يصبح حضوره العالمي محصوراً بمؤسسة واحدة في المراتب المتأخرة؟ وأين أصبحت المختبرات وموازنات البحث العلمي وسياسات استقطاب الباحثين، فيما تتقدم جامعات دول المنطقة بوتيرة متسارعة؟
المقارنة مع الجامعات الإسرائيلية تكشف حجم الهوة. فقد حلّ معهد وايزمان للعلوم في المرتبة 71 عالمياً، فيما جاءت الجامعة العبرية في القدس في المرتبة 89، ما أبقى مؤسستين إسرائيليتين داخل قائمة أفضل 100 جامعة في العالم.
أما معهد التخنيون، الذي كان في المرتبة 97 عام 2025، فتراجع إلى الفئة بين 101 و150، بينما جاءت جامعة تل أبيب ضمن الفئة 151-200. وحلّت جامعة بن غوريون في الفئة 401-500، وجامعة بار إيلان بين 501 و600، وجامعة حيفا بين 601 و700.
وبذلك، تظهر المفارقة بوضوح: أدنى الجامعات الإسرائيلية الواردة في التصنيف، وهي جامعة حيفا، لا تزال متقدمة أو موازية تقريباً لأعلى جامعة لبنانية، فيما يفصل أكثر من 600 مركز بين الجامعة الأميركية في بيروت ومعهد وايزمان.
صحيح أن النتائج الإسرائيلية حملت بدورها تراجعاً، إذ خرج التخنيون من نادي المئة الأولى للمرة الأولى بعد انخفاض متواصل من المرتبة 79 عام 2023 إلى 83 عام 2024 ثم 97 عام 2025، إلا أن إسرائيل بقيت ممثلة بـ7 مؤسسات ضمن أفضل 1,000 جامعة. وقد ربطت تقارير إسرائيلية هذا التراجع بضعف التمويل الحكومي مقارنة بالاستثمارات المتصاعدة في شرق آسيا ودول الخليج، إلا أن الفارق مع لبنان يبقى شاسعاً.
عربياً، تصدرت السعودية المشهد بـ13 جامعة ضمن قائمة أفضل 1,000 جامعة في العالم، في مؤشر إلى أثر الاستثمارات الكبيرة في البنية البحثية واستقطاب العلماء وتعزيز النشر العلمي الدولي. ومن أبرز المؤسسات السعودية جامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
كما جاءت جامعة الملك خالد ضمن الفئة 401-500، وجامعة الأمير سطام بن عبد العزيز بين 701 و800، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بين 901 و1,000، إلى جانب جامعات سعودية أخرى حضرت في التصنيف.
وجاءت مصر خلف السعودية بـ6 جامعات، هي جامعة القاهرة، وجامعة الإسكندرية، وجامعة عين شمس، وجامعة المنصورة، وجامعة الأزهر، وجامعة الزقازيق.
أما المغرب فحضر من خلال جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، التي جاءت ضمن الفئة 901-1,000، بينما غابت جامعات الجزائر وتونس عن قائمة الألف الأولى.
ويقيّم تصنيف شنغهاي أكثر من 2,500 جامعة، لكنه ينشر أسماء أفضل 1,000 منها فقط. ولا يقيس التصنيف جودة التعليم الجامعي بصورة مباشرة، بل يركز بصورة أساسية على القوة البحثية، استناداً إلى عدد الفائزين بجوائز نوبل وميداليات فيلدز بين الخريجين والأساتذة، وعدد الباحثين الأكثر استشهاداً، والأبحاث المنشورة في مجلتي “Nature” و”Science”، والمنشورات المدرجة في قواعد البيانات العلمية الدولية، إضافة إلى الأداء البحثي نسبة إلى حجم الهيئة الأكاديمية.
لذلك، لا يعني غياب جامعة عن التصنيف بالضرورة أن مستوى التدريس فيها متدنٍ، لكنه يؤكد ضعف قدرتها على إنتاج أبحاث ذات تأثير دولي. وهذه تحديداً هي المشكلة اللبنانية: جامعات تواصل تخريج الطلاب، لكنها تعمل وسط انهيار التمويل، وهجرة الأساتذة والباحثين، وتراجع المختبرات، وغياب سياسة وطنية حقيقية للبحث العلمي.
المؤلم في التصنيف ليس أن الجامعات الإسرائيلية سبقت الجامعات اللبنانية فحسب، بل أن دولاً عربية فهمت أن الجامعة ليست مبنى وشهادة، بل مشروع دولة واستثمار طويل الأمد في المعرفة. وبينما تضخ السعودية الأموال في البحث وتحتفظ مصر بحضور جامعي واسع، يكتفي لبنان بمراقبة آخر ما تبقى من سمعته الأكاديمية وهو يتراجع تدريجياً.
فالترتيب لا يصدر حكماً على الجامعات وحدها، بل يكشف ترتيب أولويات الدول أيضاً. وفي هذه اللائحة، يبدو أن لبنان لم يخسر المراتب فحسب، بل خسر حتى الآن قراره بأن يبقى بلداً منتجاً للعلم



