الموقوفون الإسلاميون والعفو.. طي الملف لا يلغي أسبابه وآثاره

جنى الدهيبي – “المدن”
للمرة الأولى منذ 35 عاماً، أقر لبنان قانوناً للعفو العام، بصيغة غلبت عليها الحسابات الطائفية والفئوية والسياسية. وفي 12 آب 2026، خرج القانون من مجلس النواب، في مرحلة من التحولات الكبرى التي يعيشها لبنان تحت وطأة مساري التفاوض والحرب مع إسرائيل، تذكر بمرحلة العفو السابق بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف في عام 1989.
وكأن العفو العام، مع كل شوائبه القانونية، والذي يفترض أن يكون استثناءً في مسار العدالة والحق العام، تحوّل إلى قاعدة في كل مرحلة يعيد فيها لبنان تشكيل نفسه وهويته داخلياً وفي المنطقة.
جاء قانون العفو العام هذه المرة على وقع أزمة سجون مزمنة، كانت تحتاج إلى إصلاحات جوهرية وبنيوية بمعزل عن العفو. وبلغت نسبة الاكتظاظ، وفق التقرير السنوي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان للعام 2025، نحو 300 في المئة، بينما يقبع نحو ثلث السجناء من دون صدور أحكام بحقهم. ومن بين آلاف السجناء والفئات التي يمسها القانون، عاد إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات الأمنية والقضائية والسياسية تعقيداً: الموقوفون الإسلاميون.
لكن هذه ليست تسمية قانونية لفئة متجانسة. وتحتها، تراكمت على مدى أكثر من ربع قرن ملفات لبنانيين من الطائفة السنية، إلى جانب سوريين وفلسطينيين، جرى وصف بعضهم في مراحل مختلفة بـِ “التكفيريين”. أوقفوا أو حوكموا بقضايا مختلفة: أحداث أمنية، واشتباكات مع الجيش، والقتال في سوريا أو الارتباط بفصائل فيها.
وبين هؤلاء من صدرت بحقهم أحكام وصلت إلى الإعدام والمؤبد، وهناك المئات ممن لم يحاكموا في الأصل، وحرموا من حقهم القانوني والإنساني في المحاكمة.
اليوم، تقلص الملف كثيراً. يقول محامي الموقوفين الإسلاميين محمد صبلوح إن نحو 152 منهم ما زالوا في سجن رومية، بعدما ارتفع عددهم، خلال سنوات الحرب السورية، إلى أكثر من ألفي سجين، متوقعاً أن يستفيد من المرحلة الأولى من القانون الجديد نحو 57 موقوفاً إسلامياً غير محكوم، بينهم قرابة عشرين فلسطينياً من ملف “فتح الإسلام”.
يفتح قانون العفو الذي أقر الباب للعودة إلى جذور قصة “الموقوفين الإسلاميين” في لبنان، ونبش أبرز المحطات التي صنعتها: من جرود الضنية، إلى “فتح الإسلام” ونهر البارد، فالحرب السورية وجولات القتال في طرابلس وأحداث عبرا وعرسال، وصولا إلى العفو العام. فكيف تحولت قصة “الموقوفين الإسلاميين” إلى قضية متنامية على مدار أكثر من ربع قرن؟
الضنية.. بداية القصة
تعود جذور ملفّ “الموقوفين الإسلاميين” إلى نهاية عام 1999. في الأول من تشرين الأول، ألقى مجهولون إصبع ديناميت على كنيسة مار جاورجيوس في منطقة الزاهرية في طرابلس. أوقف الجيش عدداً من المتورطين قبل أن يفرج عنهم لعدم وجود أدلة تدينهم. لاحقاً، لجأ بعض هؤلاء إلى “جرد النجاص” في أعالي الضنية.
في الليلة الأخيرة من عام 1999 والأيام الأولى من كانون الثاني 2000، اندلعت معركة قاسية في جرود الضنية بين الجيش ومجموعة إسلامية مسلحة، أسفرت عن مقتل عسكريين ومسلحين، وتوقيف آخرين.
ومنذ تلك المرحلة، بدأ مصطلح “الموقوفين الإسلاميين” يأخذ مكانه، للإشارة إلى موقوفين في قضايا أمنية مرتبطة بجماعات إسلامية متشددة.
المفارقة أن معظم موقوفي الضنية خرجوا بعد خمس سنوات بعفو عام محدود صدر في عام 2005، عقب موجة التغيير السياسي والأحداث الأمنية بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. وشمل ذلك العفو أيضاً رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.
نهر البارد.. مواجهة الجيش
المحطة الثانية جاءت في عام 2007، وضعت الجيش اللبناني في قلب المعركة. في 20 أيار من ذلك العام، اندلعت معركة مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان بين الجيش وتنظيم “فتح الإسلام”، الذي أسسه شاكر العبسي في عام 2006، بعد هجوم مقاتلي التنظيم على مراكز للجيش في محيط المخيم.
استمرت المعركة نحو أربعة أشهر. وانتهت بدمار واسع في المخيم وتهجير عشرات الآلاف من سكانه. وقتل فيها نحو 166 عسكرياً ونحو 220 من عناصر “فتح الإسلام”. وكان هناك أكثر من 500 مدعى عليه في قضية نهر البارد، وصنفوا ضمن “الموقوفين الإسلاميين”. وتفاوتت مصائرهم لاحقاً بصورة كبيرة، من البراءة إلى أحكام بالسجن لسنوات، وصولاً إلى المؤبد والإعدام.
دفع المخيم وأهله ثمناً باهظاً لتلك المعارك، فتحول إلى ما يشبه المربع الأمني المعزول عن محيطه الجغرافي، وتعرّض للتدمير وهجّر نحو 27 ألفاً من سكانه.
سوريا.. الملف يتغير
شكل اندلاع الحرب في سوريا في العام 2011، منعطفاً مفصلياً جديداً في ملف الموقوفين الإسلاميين.
ففي طرابلس ومناطق لبنانية ذات غالبية سنية، لم تكن الحرب السورية حدثاً خارجياً بالكامل. فالمدينة التي حملت ذاكرة ثقيلة من سنوات الاحتلال والنفوذ الأمني السوري في لبنان، تحولت إلى واحدة من أبرز البيئات المتعاطفة مع الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد. وتمكنت مجموعات معارضة وفصائل مسلحة في سوريا من استقطاب شريحة من الشباب في لبنان، سواء بالتأييد أو الانتماء.
ثم تنامت الأحداث على وقع المعارك بين منطقة باب التبانة، ذات الغالبية السنية، وجبل محسن، ذات الغالبية العلوية ومعقل الحزب العربي الديمقراطي بزعامة آل عيد. واشتعل خط تماس قديم من جديد عند “محور شارع سوريا” الفاصل بين المنطقتين الجارتين.
حتى عام 2014، شهدت المنطقتان نحو 21 جولة قتال، سقط خلالها عشرات القتلى والجرحى. وانتهت الجولات بقرار سياسي وحكومي وخطة أمنية دخل بموجبها عشرات الشبان و”قادة المحاور” إلى السجون. دخل هؤلاء أيضا في عداد “الموقوفين الإسلاميين”.
بالتوازي مع ذلك، أوقف لبنانيون وسوريون وفلسطينيون في قضايا مرتبطة بالقتال في سوريا، أو بتهمة الانتماء إلى “جبهة النصرة” وغيرها من التنظيمات، أو تقديم الدعم لها، أو التخابر معها، وأحياناً من دون دليل يدينهم بالتورط في أي عمل. وهنا تغير الملف جذرياً. لم يعد امتداداً للضنية أو نهر البارد، بل مظلة تجمع ملفات ذات سياقات تبدأ من لبنان وتمتد إلى سوريا.
عبرا وعرسال.. الجيش في قلب الملف
في حزيران 2013، أضافت أحداث عبرا في صيدا مجموعة جديدة إلى “الموقوفين الإسلاميين”. جاء ذلك على إثر معارك عنيفة بين مسلحين من مسجد بلال بن رباح، يقودهم الشيخ أحمد الأسير من جهة، والجيش اللبناني وعناصر من حزب الله من جهة أخرى. وأسفرت عن مقتل عشرات المدنيين والعسكريين وتوقيف عشرات الشبان.
وبعد توقيفه في آب 2015، صدر بحق الأسير حكم بالإعدام، قبل أن تحكم عليه المحكمة العسكرية في العام 2021 بالسجن عشرين عاماً وتجريده من حقوقه المدنية، لإدانته أيضاً بالتورط في أحداث بحنين والاشتباكات مع الجيش في العام 2014.
في الثاني من آب 2014، فجر توقيف الجيش اللبناني عماد جمعة، قائد فصيل مسلح بايع تنظيم الدولة “داعش”، معارك عنيفة في بلدة عرسال استمرت ستة أيام. وواجه خلالها الجيش مسلحين من التنظيم ومن “جبهة النصرة”.
أسفرت المواجهات عن مقتل وجرح عشرات العسكريين والمدنيين، وخطف نحو 35 عنصراً من الجيش وقوى الأمن. وأعقبتها توقيفات طاولت لبنانيين وسوريين بتهم القتال ضد الجيش، أو الانتماء إلى التنظيمين، أو تقديم الدعم لهما.
وبعد نحو عام وأربعة أشهر من المفاوضات بوساطة قطرية، أفرجت “جبهة النصرة” عن 16 عسكرياً وأمنياً لبنانياً كانوا محتجزين لديها، مقابل 13 سجيناً في لبنان، بينهم خمس نساء.
استمرت تداعيات معركة عرسال حتى عام 2017، بعدما تمكن الجيش اللبناني في معركة “فجر الجرود” من استعادة نحو ربع الأراضي اللبنانية من تنظيم الدولة شرق لبنان عند الحدود مع سوريا.
وجاء ذلك في مرحلة شديدة الخطورة، وعلى نحو متزامن مع معركة موازية خاضها حزب الله والجيش السوري السابق ضد التنظيم في القلمون الغربي في سوريا.
“وثائق الاتصال”
ولم يدخل جميع الموقوفين الإسلاميين إلى السجن نتيجة معركة أو اشتباك. فهناك مجموعة منهم ارتبط توقيفهم بما عرف بـِ “وثائق الاتصال”، التي كانت تصدر عن مديرية المخابرات في الجيش استناداً إلى معلومات أو إخبار أو شبهة، وتعمم أسماء أصحابها على الأجهزة والحواجز الأمنية، من دون أن تستند إلى مذكرة توقيف قضائية.
وسبق أن صدر أكثر من 11 ألف “وثيقة اتصال” بحق شبان في ملفات مرتبطة بالتخابر أو التنظيمات الإسلامية والقتال في سوريا، وأوقف عدد منهم بموجب هذه الوثائق. وتنامى مع هذه الوثائق خطاب المظلومية في الشارع السني، على قاعدة أنها ألحقت الأذى بمئات الشبان من دون سند قانوني لإدانتهم بأي تهمة.
وفي عام 2014، أصدرت حكومة تمام سلام قراراً بإلغاء وثائق الاتصال ولوائح الإخضاع التي لا تستند إلى إشارة قضائية. لكن القرار بإلغاء الأداة لم يلغ ما كانت قد خلفته في مسارات أشخاص دخلوا أصلاً دائرة التوقيف والتحقيق.
المحكمة العسكرية والاستثمار السياسي
أما القضايا الأساسية للموقوفين الإسلاميين، فمرت أمام المحكمة العسكرية التي أصدرت مئات الأحكام بحقهم. ووضع ذلك الملف أيضاً داخل جدل أوسع حول محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وتوسيع نطاق صلاحياته.
مع مرور السنوات، تحولت القضية إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في الشارع السني. حيث رفعتها قوى وقيادات سياسية سنية، ودخلت بعض المرجعيات الدينية على خطها، بينما تلقى الأهالي وعوداً متكررة بالعفو ومعالجة أوضاع أبنائهم.
وكان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري واحداً ممن قدموا وعداً واضحاً. ففي السادس من كانون الأول 2017، استقبل وفداً من أهالي الموقوفين من مناطق مختلفة، برفقة مشايخ ورؤساء بلديات ومخاتير ومحامين.
قال لهم يومها: “أعدكم بأن يصدر قانون العفو حتما قبل نهاية كانون الثاني 2018”.
كذلك فعل رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، بإعطاء الوعود للأهالي بأن الملف في طريقه إلى الحل، إلى جانب وزراء داخلية وعدل ونواب متعاقبين.
فمعظم القوى السياسية السنية، وبعض المرجعيات الدينية، تعاملت بدرجات مختلفة مع قضية الموقوفين باعتبارها قضية طائفية تخص الشارع الذي تمثله، لا بوصفها ملفاً قضائياً شائكاً يحتاج إلى معالجات قضائية ضمن مسار العدالة والحق العام.
قبل وبعد سقوط الأسد
ثم جاء سقوط نظام بشار الأسد في أواخر العام 2024. بعد ثلاثة أيام فقط، تجمع عشرات من أهالي الموقوفين الإسلاميين أمام سجن رومية، وطالبوا بالعفو العام والإفراج عن أبنائهم.
وبالنسبة إليهم، كان سقوط النظام السوري يعيد تعريف القضية، إذ اعتبروا أن قسماً من أبنائهم دفع ثمن مناصرة “الثورة السورية”، سواء بالقتال إلى جانب فصائل معارضة للنظام أو بتأييد الثورة ودعمها.
لكن سقوط الأسد لم يمحُ الملفات القضائية الأخرى، وخصوصاً تلك المرتبطة بقتل عسكريين أو الاشتباك مع الجيش اللبناني.
وشهدت قضية الموقوفين السوريين في لبنان مباحثات رسمية بين الجانبين، ولا سيما بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الحكومة اللبناني نواف سلام.
قبل سقوط نظام الأسد، كانت عملية إعادة المعتقلين السوريين في لبنان متصلة باتفاقيات ثنائية بين البلدين، وفي طليعتها الاتفاقية القضائية للعام 1951.
وقامت الدولة اللبنانية بتسليم عشرات المعتقلين إلى سوريا منذ عام 2019 وحتى عام 2024. وشكلت تلك العمليات موضع سجال واسع قانونياً وحقوقياً وشعبياً في لبنان وسوريا، خصوصاً مع تسجيل محاولات انتحار في سجن رومية بين معتقلين سوريين بعد تلقي نبأ تسليمهم.
لكن تسوية ملف الموقوفين السوريين، ومن بينهم إسلاميون، بدأت حتى قبل صدور قانون العفو الحالي.
ففي 17 آذار الماضي، سلمت السلطات اللبنانية نظيرتها السورية الدفعة الأولى من السجناء السوريين، وضمت 132 محكوماً، تطبيقاً لاتفاقية التعاون القضائي الموقعة بين البلدين في 6 شباط 2026.
ثم في 24 حزيران الماضي، تسلمت السلطات السورية دفعة ثانية تضم 128 محكوماً سورياً في سجن رومية. وجاءت الخطوة ضمن مسار تسليم السجناء إلى السلطات السورية الجديدة، وتخفيف الضغط عن السجون اللبنانية المكتظة.
ما بعد العفو العام
إذن، أقر قانون العفو العام مع استثناءات عدة، تاركاً أسئلة حول مضمونه وتداعياته على معنى العدالة ومستقبلها في لبنان. وشكل ملف الموقوفين الإسلاميين أحد أبرز مبررات إقراره، وسط انقسام بين من يؤيد معالجة قضيتهم، ومن يعارض استفادة محكومين على خلفية القتال ضد الجيش اللبناني.
ولم يشمل القانون، بصيغته المقررة الشيخ أحمد الأسير مثلا، بما يؤدي إلى الإفراج عنه. لكن تخفيض العقوبات الذي أقره يمكن أن ينعكس على مدة سجنه. إذ خفض سائر العقوبات، بما في ذلك الإعدام، إلى 28 سنة سجنية والمؤبد إلى 17 سنة، وأتاح إخلاء سبيل موقوفين غير محكومين تجاوزت مدة توقيفهم 12 سنة سجنية.
لكن بعد أكثر من ربع قرن على نشوء الملف وتضخمه، لم يشكل العفو مراجعة قانونية وقضائية وسياسية واجتماعية للطريقة التي تكون بها، بل جاء ضمن تسويات واستثناءات طغى عليها البعد السياسي والطائفي.
لذلك، قد يطوي العفو اليوم جزءاً كبيراً من قضية الموقوفين الإسلاميين، لكنه لا يطوي تاريخها ولا أسبابها وتداعياتها على فئات واسعة من المجتمع اللبناني.



