أخبار محلية

من الحريات إلى التصعيد… فضل الله يحذّر من مرحلة مفتوحة على الاحتمالات

حذّر العلامة السيد علي فضل الله من استغلال الفوضى الإعلامية أو السياسية ذريعةً لكمّ الأفواه والتضييق على الحريات في لبنان، داعيًا في الوقت نفسه إلى إعلام مهني ومسؤول ينقل الحقيقة بعيدًا عن التحريض وتزوير الوقائع، ومشددًا على أن من يكون اليوم في السلطة قد يصبح غدًا في المعارضة.

وجاء موقف فضل الله خلال لقاء حواري عقده في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك تحت عنوان «الإمام العسكري: معاناة وتضحيات»، تناول خلاله شخصية الإمام الحسن العسكري ومسيرته، قبل أن يجيب عن أسئلة مرتبطة بملفات داخلية وإقليمية، من حرية الإعلام وحوادث السير إلى أوضاع النازحين والغارات الإسرائيلية على سوريا.

وفي مستهل اللقاء، تناول فضل الله سيرة الإمام الحسن العسكري، موضحًا أن لقبه ارتبط بمنطقة «العسكر» في سامراء، التي كانت مركزًا لتجمع الجيش في عهد الخلافة العباسية، لافتًا إلى أن الإمام عاش مرحلة قاسية اتسمت بالحصار والتضييق والحد من حريته في التواصل مع الناس.

وأشار إلى أن الإمام العسكري تعرض للسجن أكثر من مرة خلال فترات حكم المعتز والمهتدي والمعتمد، وأن أشخاصًا عُرفوا بالقسوة والعداء كانوا يُكلفون بمراقبته، إلا أنه كان، بحسب فضل الله، يحوّل حتى ظروف السجن إلى مساحة للتأثير الإنساني والأخلاقي في سجانيه من خلال زهده وعبادته وحسن تعامله.

وانطلق فضل الله من هذا السياق للحديث عن مفهوم الحوار مع المختلف، معتبرًا أن الأئمة رسموا نهجًا يقوم على إبقاء الصراع في إطاره الفكري بدل نقله إلى مواجهة شخصية، وعلى نبذ العنف والتعصب.

وقال إن المشكلة في واقع المجتمعات اليوم تكمن في المسارعة إلى مقاطعة المخالف أو مهاجمته، بدل محاولة الانفتاح عليه واستيعابه وإيصال الأفكار والمبادئ إليه، معتبرًا أن «الانغلاق والانزواء» هو الطريق الأسهل، فيما يحتاج الحوار الحقيقي إلى جهد وقدرة على تجاوز الحساسيات والانقسامات.

وأكد أن المسؤولية تكمن في «فتح القلوب المغلقة» لا الاكتفاء بمخاطبة من يتفق مسبقًا مع الفكرة أو الموقف، معتبرًا أن هذا النهج يجب أن يبدأ من العلاقات اليومية وصولًا إلى التقاطعات الكبرى على مستوى الدين والمذهب والوطن.

وفي الشأن الداخلي، تطرق فضل الله إلى ارتفاع أعداد ضحايا حوادث السير في لبنان، مشددًا على أن المسؤولية تبدأ من السائق نفسه، عبر الخضوع للتدريب المطلوب واحترام شروط القيادة والسرعات المحددة وكل قواعد السلامة المرورية.

وفي المقابل، حمّل الدولة جزءًا من المسؤولية، داعيًا إلى تأهيل الطرقات وتأمين الإنارة ووضع إشارات واضحة وتحديد السرعات ومراقبة الالتزام بها، معتبرًا أن معالجة ملف السلامة المرورية لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات العقابية، بل تحتاج أيضًا إلى التربية وتعزيز ثقافة المسؤولية العامة.

وتأتي مواقف فضل الله في وقت يشهد فيه لبنان بصورة متكررة حوادث سير قاتلة على طرق تعاني في عدد من المناطق من ضعف الإنارة والحفر وسوء الصيانة، بالتوازي مع شكاوى متواصلة من السرعة الزائدة وعدم الالتزام بقواعد المرور، ما يجعل ملف السلامة على الطرق مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.

وفي ملف الحريات، شدد فضل الله على ضرورة وضع ضوابط أخلاقية ومهنية للعمل الإعلامي، معتبرًا أن بعض الخطاب الإعلامي يساهم في تعميق الانقسام والإحباط والفتنة بدل نقل الوقائع بمهنية.

وقال إن الحرية لا تعني المس بكرامات الناس أو تزوير الحقائق، وإن ممارسة العمل الإعلامي يجب أن تبقى مرتبطة بالمبادئ والقيم ومصلحة الناس والوطن.

لكنه في المقابل حذّر الدولة من استخدام معالجة الفوضى ذريعةً للحد من حرية التعبير، قائلًا إنه «لا يجوز استغلال الفوضى من أجل كمّ الأفواه»، ومذكّرًا بأن موقع السلطة ليس دائمًا، وأن من يكون في السلطة اليوم قد يصبح في المعارضة غدًا.

ويأتي هذا الموقف وسط نقاش لبناني متجدد حول الحدود الفاصلة بين حماية الحريات العامة وحرية الصحافة والتعبير من جهة، وبين مواجهة الأخبار المضللة وخطاب التحريض والإساءة من جهة أخرى، في بلد لطالما شكّلت فيه الحريات الإعلامية والسياسية جزءًا أساسيًا من تركيبته العامة.

وفي ملف النازحين، أشار فضل الله إلى أن معاناة عدد كبير من العائلات تتفاقم في بلداتها وقراها، ولا سيما أولئك الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وأصبحوا عاجزين عن توفير السكن واحتياجات الحياة الأساسية ومتطلبات تعليم أولادهم.

ودعا الدولة إلى استنفار جهودها لمعالجة هذه الأوضاع، كما طالب القوى السياسية والاجتماعية والجمعيات والمؤسسات الخيرية والقادرين ماليًا بتعزيز التكافل الاجتماعي، بما يحفظ كرامة المتضررين ولا يحول معاناتهم إلى عبء فردي تترك العائلات لمواجهته وحدها.

وتتزامن هذه الدعوات مع استمرار تداعيات المواجهات والضربات الإسرائيلية على مناطق لبنانية، وما خلفته من أضرار واسعة في منازل وممتلكات وبنى تحتية، ما أبقى عددًا من العائلات أمام تحديات العودة وإعادة الإعمار وتأمين متطلبات الحياة اليومية.

وعن الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، رأى فضل الله أن إسرائيل لا تريد، وفق توصيفه، أن تمتلك أي دولة في المنطقة عناصر قوة قادرة على الحد من حركتها، معتبرًا أن سياستها تقوم على محاولة فرض التفوق على محيطها الإقليمي.

وتأتي تصريحاته في ظل تصاعد التوتر على الساحة السورية، مع تكرار الغارات الإسرائيلية على مواقع داخل سوريا واحتدام النقاش حول طبيعة الترتيبات العسكرية والأمنية المستقبلية في البلاد، ودور القوى الإقليمية فيها.

كما تطرق فضل الله إلى احتمال إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تصعيد عسكري قبيل الاستحقاقات السياسية الداخلية، محذرًا من استبعاد أي سيناريو، ومعتبرًا أن الأوضاع الأمنية والعسكرية قد تدخل في الحسابات السياسية الإسرائيلية.

وقال فضل الله إن «كل شيء وارد» مع إسرائيل، محذرًا من الركون إلى فترات الهدوء المؤقتة، ومعتبرًا أن أي تصعيد جديد قد يرتبط، من وجهة نظره، بحسابات سياسية داخلية تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة.

وختم بالتشديد على ضرورة الحفاظ على أعلى درجات الحذر والوعي تجاه التطورات الإقليمية، وعدم التعامل مع الهدوء باعتباره ضمانة دائمة، في ظل منطقة لا تزال تشهد توترات مفتوحة واحتمالات تصعيد على أكثر من جبهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |