“انفصام الحزب”… وخلافات داخليّة!

توقفت مراجع ديبلوماسية وسياسية مطلعة أمام حجم التناقضات التي عززت الانفصام في مسلسل المواقف الاخيرة التي أطلقتها قيادات من “حزب الله” من جهة ومضمون البيان الذي أصدرته “العلاقات الإعلامية” في الحزب ردا على سلة العقوبات المتجددة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على الحزب و”إلحاقة كفصيل ايراني” من “فيلق القدس” التابع “للحرس الثوري الإيراني” ويعمل “لمصلحته” معطوفة على العقوبات التي فرضتها الوزارة على عشرة أفراد، اتهمتهم بالانتماء إلى شبكة مسؤولة عن تحويل أموال إلى “حزب الله” بمن فيهم من جنسيات مختلفة.
وفي قراءتها لما سمته بالتحولات الكبرى في لبنان والمنطقة، قالت هذه المراجع لـ”المركزية” إنّ دفعة العقوبات الأخيرة ليست جديدة في إطار مسلسل العقوبات التي فرضت على الحزب بعدما صنّفته الولايات المتحدة “منظمة إرهابية أجنبية” في العام 1997، ومن بعدها كـ”منظمة إرهابية مصنفة بشكل خاص” عام 2001. عدا عن تلك التي فرضت في مناسبات لاحقة في السنوات التي تلت “حرب تموز” عام 2006، وتلك التي تلاحقت على دفعات شملت قيادات من الحزب وحركة أمل على خلفية الاستراتيجية التي اعتمدها “الثنائي الشيعي” في السنوات الأخيرة والتغطية التي وفرها رئيس مجلس النواب نبيه بري بصفته أحد ركني الثنائي و”الأخ الأكبر” لمسلسل “العمليات الانتحارية” التي أقدم عليها الحزب وزج فيها لبنان من حرب “الإلهاء والإسناد” لغزة، الى “حرب الثأر” لمقتل المرشد الإيراني علي الخامنئي وما بينهما من حروب متقطعة.
على هذه الخلفيات، رصدت المراجع الديبلوماسية والسياسية حالا من الإرباك توحي بما تسببت به مجموعة الأزمات البينية التي يعيشها الحزب في الأشهر الأخيرة ولا سيما الانفصام الذي تحدثت عنه مصادره في أكثر من لقاء جمع مسؤولين سياسيين مع دبلوماسيين و حزبيين في لبنان والخارج، بين ما يسمى بـ “القيادة السياسية” للحزب “والقيادة العسكرية” بعد ان تم تغييب الأولى عمدا عن مجموعة الإجراءات العسكرية التي احتكرت الأموال المرصودة لمهمات مختلفة كان يمولها الحزب وقطعها نهائيا عن أحزاب وشخصيات دينية وسياسية وحزبية ما زالت تدور في فلكه، عدا عن التقنين في الأموال المخصصة للمؤسسات الإعلامية والاجتماعية منذ اندلاع الحرب على ايران في آخر يوم من شهر شباط الماضي.
وردت هذه المراجع أسباب ما يحصل وخصوصا على المستوى المالي، الى ان مالية الحزب لم تتأثر الى الدرجة الصعبة التي كان يعتقدها البعض ممن لم يكونوا على اطلاع على حجم مصاريفه، ومصادر التمويل المتعددة الداخلية منها والخارجية. ذلك ان كانت هناك أموال ضخمة مرصودة لمواكبة أي أزمة يمكن ان تنشأ وحتى تلك التي قد تتسبب بها أي حرب كتلك التي تلاحقت مواعيدها في السنوات الثلاثة الأخيرة قبل ان تخسر مبالغ كبيرة أنفقت على ترتيبات خاصة بالمراسم الحزبية التي رافقت اغتيال قادته، ولا سيما امينه العام السابق حسن نصرالله، بعدما انفقت عشرات ملايين الدولارات على مرقده، رغم حجم المساعدات التي توفرت من مصادر عراقية ويمنية وبحرينية تقدمت بها شخصيات ومؤسسات من الموالين للتوجهات الإيرانية.
لم تكن كل هذه المعطيات سببا في الاستمرار بحال الإنكار التي يعيشها الحزب ، فقيادته اوحت لمؤسساته وأصدقائه ان رهانها على “مسار اسلام آباد” ما زال قائما، وانه “استثمار بعيد المدى” يستدعي الصبر في انتظار المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء من دول ومؤسسات مختلفة قد يسمح لها بتشديد الهجمات المتكررة على “مسار واشنطن” الذي يخوضه لبنان. وهمٌ لا زالوا يراهنون على امكان عقد “تفاهمات سرية” للاحتفاظ بسلاحه بعد تجديد العروض التي واكبت الاتفاق السابق الذي تم التوصل إليه بين طهران ومجموعة الـ (5+1) وواشنطن من بينها في منتصف تموز 2015، من دون التنبه إلى الاستراتيجية الأميركية الجديدة في معاقبة من يتعرضون لعقوباتها. وانه بات من المستحيل فتح أي باب من أبواب الحوار مع أي شخص او كيان خارج إطار السلطات الدستورية.
ولفتت المراجع الى ان بعض ما تسرب من معلومات على هامش مراسم دفن المرشد الإيراني سمحت بالاطلاع على حصيلة سلبية نتيجة تدهور العلاقات في ما بينها ولا سيما في قراءتهم الدقيقة لما سمي بـ”المؤامرة” التي قاد اليها زعيم حركة حماس السابق يحيى السنوار محور الممانعة كاملا ، نتيجة الإخلال بالاستراتيجية الإيرانية التي كانت معتمدة في ما سمي بـ “وحدة الساحات”. عدا عن الخلافات التي تسببت بها المعلومات المتبادلة عن نتيجة الخروقات الإسرائيلية الاستخبارية في الداخل الإيراني التي أدت الى اغتيال مرشدهم والقادة العسكريين والخبراء النوويين في أكثر من موقع إيراني في توقيت دقيق وموحد. كما بالنسبة الى اغتيال أعضاء الحكومة اليمينة والعشرات من القادة العسكريين من بينهم رئيس اركان الحوثيين في العام الماضي، وقادة الحزب من كل المستويات في ضاحية بيروت والجنوب والبقاع.
ولم تشأ المراجع عينها الاشارة الى مسلسل الوقائع هذه، من اجل التذكير بها بقدر ما ارادت لفت النظر إلى حجم الإنكار الذي تعانيه هذه القوى للوقائع والمتغيرات الكبرى في لبنان والمنطقة. وقد فقدت كل وسائل التواصل المباشر مع قواعدها، وصولا الى لبنان حيث ظهرت المواقف المتناقضة التي تنسف بعضها بعضا بين مجموعة محدودة من قادة الحزب ونوابه والسياسيين المحيطين بالأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم الذي وقع ضحية معلومات مضللة في الفترة الأخيرة بطريقة لم تعد خافية على أحد. فحال الرفض لمضمون الاتهامات والعقوبات الأخيرة لوزارة الخزانة الأميركية على قادة الحزب والمتعاونين معه من جنسيات مختلفة الذي عبرت عنه “الوحدة الإعلامية” في الحزب ومضمونه الموثق بالأسماء والتفاصيل الدقيقة، نقضها نائب رئيس المجلس السياسي الوزير السابق محمود قماطي بفارق ساعات قليلة بحديثه عن ان الحزب “لا يغلق الباب بصورة نهائية أمام إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وأن القرار سيُتخذ وفق المصلحة والظروف المناسبة” الى درجة قادت الى التساؤل عن الظروف الصعبة التي يعيشها الحزب وما تواجهه قياداته من صعوبات في مواجهة آثار الحرب على بيئته النازحة وتلك التي تكبدت خسائر تفوق قدراتها على استعادة نسبة ضئيلة منها، عدا عن الخراب والدمار الذي لحق بعشرات القرى وصعوبة التفكير بمساعدات خارجية لإعادة الإعمار في ظل الهجمات التي تشن يوميا على الدول الخليجية التي لن يكون غيرها مستعدا لتمويلها.
وفي الختام انتهت المراجع الديبلوماسية والسياسية الى التأكيد أن استمرار حال الإنكار على مستوى قيادة الحزب، لحجم ومخاطر العقوبات الجديدة وما يمكن ان يليها من مثيلات لها في الايام المقبلة، اثبت أنهم يعيشون في عالم آخر. فهم غائبون عن بيئتهم وهمومها ولم يعد لديهم الامل بالعودة الى عشرات القرى الجنوبية قبل سنوات عدة، هذا إن لم يكن التصلب بالتجاوب مع مطلب تسليم السلاح للجيش اللبناني والمواقع المحكى عنها قد يقود الى فصل جديد من فصول الحرب يعيد النازحين إلى مراكز الإيواء بالسرعة غير المتوقعة، في ظل تضاؤل حجم المساعدات التي توفرها الحكومة القصوى بعد ان ارتفعت تكلفتها ولم يعد امر الحصول على هبات كالماضي ممكنا إن لم يكن مستحيلا.
المصدر: طوني جبران – المركزية



