إبراهيم كنعان… حارس المال في دولة بلا حسابات

في لبنان، لا تُصنع السياسة المالية داخل وزارة المال وحدها، ولا تُحسم الموازنة في مجلس الوزراء فقط. بين المشروع الذي تضعه الحكومة والقانون الذي يخرج من البرلمان، تمرّ الأرقام في واحدة من أكثر اللجان النيابية حساسية: لجنة المال والموازنة، التي يتولى النائب إبراهيم كنعان رئاستها منذ عام 2009.
على امتداد أكثر من 16 عاماً، تحوّل كنعان من نائب متني وقيادي بارز سابق في “التيار الوطني الحر” إلى أحد أكثر الوجوه التصاقاً بالملفات المالية والتشريعية تعقيداً. فمن الحسابات المفقودة وقطوعات الحساب، إلى الموازنات والتوظيف العشوائي والسرية المصرفية والتدقيق الجنائي، وصولاً إلى إعادة هيكلة المصارف واسترداد الودائع، كان حاضراً في قلب النقاش الذي يحدد من دفع كلفة انهيار الدولة ومن سيتحمل خسائرها.
هذه الاستمرارية منحت كنعان موقعاً يتجاوز رئاسة لجنة نيابية. فهو لم يعد يتعامل مع مشروع موازنة منفرد أو بند ضريبي عابر، بل مع طبقات متراكمة من الاختلال المالي بدأت قبل دخوله البرلمان بسنوات، وانفجرت بالكامل بعد عام 2019.
بدأت أولى مواجهاته الكبرى عام 2010، عندما فتحت لجنة المال برئاسته لأول مرة ملف الحسابات المالية للدولة وقطوعات الحساب، في بلد كان يقرّ الموازنات بعد صرفها وينفق مليارات الدولارات من دون حسابات نهائية مدققة تتيح معرفة كيفية وشرعية صرف الأموال.
لم يكن الخلاف تقنياً فقط. فالمادة 87 من الدستور تربط إقرار الموازنة بالحسابات النهائية، لكن الدولة اللبنانية كانت قد حوّلت الاستثناء إلى قاعدة، وأصبح الإنفاق يجري في ظل فجوات محاسبية وأرقام غير مكتملة وتسويات سياسية تؤجل كشف المسؤوليات.
ترأس كنعان حينها مساراً رقابياً امتد على 54 جلسة، وشُكلت خلاله لجنة تقصي حقائق برئاسته درست حسابات الدولة منذ عام 1993. وكشفت المتابعة، وفق ما أعلنته لجنة المال لاحقاً، وجود هبات أودعت في حسابات خاصة لدى مصرف لبنان، وسلفات خزينة لم يُسترد معظمها، وقروض لم تسجّل قيودها بطريقة سليمة في حسابات الخزينة. كلّها وقائع وثّقت في كتاب “الإبراء المستحيل” وباتت بعهدة القضاء.
وبعد سنوات من الضغط، أعادت وزارة المال تكوين جزء من الحسابات، وأحالت عام 2019 تقريراً إلى ديوان المحاسبة تناول نحو 27 مليار دولار صُرفت من دون قيود سليمة أو احترام كامل للقواعد القانونية والمحاسبية. لم يؤد ذلك إلى محاسبة حاسمة، لكنه أسقط للمرة الأولى الغطاء التقني عن واحدة من أكبر فجوات الدولة: لبنان لم يكن يفتقر إلى المال فقط، بل كان يفتقر أيضاً إلى حساب واضح يبيّن أين وكيف صُرف.
ملف آخر غاص فيه وهو التوظيف العشوائي، حيث حضرت الدولة بوزاراتها وإداراتها على مدى ٨ أشهر على طاولة لجنة المال. فكوّن بنتيجة ذلك وبالتعاون مع مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي ، ملفاً حدد اكثر من ٥٠٠٠ وظيفة ما بعد قانون وقف التوظيف وفي سنة الانتخابات، وكشف وجود ٣٢ ألف وظيفة خارج القانون. وأحال الملف الى ديوان المحاسبة، الجهة المعنية بإصدار الأحكام.
هنا رسم كنعان لنفسه موقعاً سياسياً خاصاً. فقد كان في تلك المرحلة أحد أبرز نواب “التيار الوطني الحر” وقيادييه، وعضواً في كتلة شاركت في الحكومات والتسويات وإدارة السلطة، لكنه ترجم موقعه على رأس لجنة المال كرقيب فعلي على السلطة التنفيذية، بما فيها الحكومات التي شارك فيها فريقه السياسي.
هذا التناقض شكّل مصدر قوة وضعف في آن. فمن جهة، أتاح له موقعه السياسي التواصل مع مختلف الكتل وانتزاع تشريعات يصعب الوصول إليها من موقع المعارضة الصافية. ومن جهة أخرى، وضعه أمام سؤال دائم: هل تكفي الرقابة البرلمانية عندما يكون الحزب الذي ينتمي إليه جزءاً من المنظومة التنفيذية الخاضعة لهذه الرقابة؟
كان رد كنعان يقوم على الفصل بين موقعه الحزبي ودوره رئيساً للجنة المال. وفي اجتماعات اللجنة، قدّم نفسه بالواقع والممارسة رجل النصوص والأرقام، لا رجل الشعارات، مستنداً إلى خلفيته القانونية وإلى خبرة متراكمة جعلته قادراً على إدارة مفاوضات مالية بين أطراف لا تتفق على السياسة ولا على توزيع الخسائر.
ولم يبق متفرّجاً في الملفات السياسية، بل انخرط في مسار أثمر مصالحة بين المسيحيين لاسيما بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية في فترة الفراغ الرئاسي، أنتجت استعادة للجنسية للمتحدرين من أصل لبناني، وحق المغتربين في الاقتراع، وانتخاب العماد ميشال عون رئيسا” للجمهورية وقانوناً انتخابياً صحح التمثيل والشراكة الوطنية. كما أدى قربه من الكنيسة المارونية بالإضافة الى عوامل أخرى، الى طرح اسمه من قبل بكركي من ضمن لائحة من عشرة أسماء الى رئاسة الجمهورية وذلك في الانتخابات الأخيرة.
لكن هذه العلاقة الحزبية لم تستمر. ففي 28 آب 2024، أعلن كنعان استقالته من الإطار التنظيمي لـ”التيار الوطني الحر”، بعد أشهر من محاولات قال إنه بذلها لجمع الشمل ومعالجة الخلافات داخل الحزب. وكان قد وجّه رسالة إلى رئيس التيار جبران باسيل في 10 نيسان من العام نفسه، ثم أطلق في 14 آب مبادرة علنية منح عبرها القيادة مهلة للتجاوب، قبل أن يعلن أن محاولته لم تلقَ آذاناً صاغية وأن التصويب عليه بلغ حد المس بكرامته.
لم يقدّم كنعان خروجه يومها بوصفه قطيعة مع المبادئ التي نشأ عليها أو مع القاعدة العونية، بل كاستقالة من الإطار التنظيمي بعد تعذّر التفاهم على الإصلاح من الداخل. وتعهد في كتاب استقالته بالبقاء إلى جانب المتنيين والتياريين والعونيين، في صيغة عكست رغبته في الاحتفاظ بجزء من الإرث السياسي الذي مثله، مع التحرر من سلطة القيادة الحزبية.
منذ ذلك التاريخ، بات كنعان يتحرك من موقع نيابي مستقل عن البنية التنظيمية للتيار، ما منحه هامشاً أوسع في مقاربة الملفات التشريعية والمالية. لكن مغادرته الحزب لم تلغِ الأسئلة المتصلة بمسؤوليته السياسية خلال السنوات التي كان فيها أحد أبرز وجوه الفريق المشارك في السلطة (دون أن يدخلها شخصيا” ولو مرة واحدة) ، بل أضافت إليها امتحاناً جديداً: هل تتحول الاستقلالية التنظيمية إلى استقلال أكبر في الخيارات والمواقف؟
بعد انتفاضة 17 تشرين والانهيار المصرفي، انتقل مركز الثقل من حسابات الدولة إلى قوانين مكافحة الفساد والنظام المصرفي. ترأس كنعان لجنة فرعية درست وأقرت اقتراحات رفع السرية المصرفية والإثراء غير المشروع واسترداد الأموال المنهوبة، وعملت على توحيد نصوص تقدمت بها كتل ونواب من اتجاهات سياسية مختلفة.
كانت الفكرة الأساسية التي دفع بها تقوم على إسقاط الحواجز التي تحول دون ملاحقة المسؤولين، ورفع السرية المصرفية تلقائياً عمن يتولى مسؤولية عامة، وتسهيل حق المواطنين في الادعاء عند الاعتداء على المال العام. وقد ساهم هذا المسار في إنتاج منظومة تشريعية شملت تعديل قانون الإثراء غير المشروع، وتوسيع إمكانات رفع السرية المصرفية، وإقرار قوانين متصلة بمكافحة الفساد.
غير أن التجربة كشفت أيضاً حدود التشريع اللبناني. فإقرار القانون لا يعني تطبيقه، ورفع السرية المصرفية لا يؤدي تلقائياً إلى استعادة الأموال، كما أن إحالة الملفات إلى القضاء لا تضمن صدور أحكام أو تحديد المسؤوليات.
وهذه هي العقدة التي رافقت تجربة كنعان كلها: استطاع دفع عدد كبير من الملفات من مرحلة الإنكار إلى مرحلة النص القانوني، لكنه اصطدم عند عتبة التنفيذ بسلطة إجرائية مترددة، وإدارات ضعيفة، وقضاء محاصر، ومنظومة سياسية قادرة على إفراغ القوانين من مفاعيلها.
ظهرت المشكلة بصورة أكثر وضوحاً في ملف التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. فعندما ناقشت لجنة المال عام 2023 التقرير الأولي لشركة “ألفاريز ومارسال”، طالب كنعان باستكمال التدقيق وكشف حجم الفجوة المالية وتحديد كيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.
وربط بين نتائج التدقيق الجنائي والعمل الذي بدأته لجنته قبل الانهيار بسنوات، معتبراً أن المخالفات لم تظهر فجأة عام 2019، بل كانت مقدماتها قائمة في حسابات الدولة وسلفات الخزينة وسياسة الاستدانة وتمويل العجز.
لكن التدقيق الجنائي نفسه بقي ناقصاً بسبب عدم الوصول إلى كامل البيانات والمستندات. وبذلك وجد كنعان نفسه مرة أخرى أمام مفارقة يعرفها جيداً: البرلمان يطلب الأرقام، والمؤسسات المعنية تتأخر في تقديمها، ثم يُطلب من النواب إقرار قوانين تحدد مصير عشرات مليارات الدولارات استناداً إلى معلومات غير مكتملة.
ومع انتقال الأزمة إلى مرحلة البحث في إعادة هيكلة المصارف، أصبح دور لجنة المال أكثر حساسية. فالمسألة لم تعد تتعلق بضبط إنفاق مستقبلي، بل بتحديد مصير الودائع وتوزيع الخسائر الناتجة من أكبر انهيار مالي في تاريخ لبنان.
في آب 2025 وبعده في الشهر نفسه من 2026، أنجزت اللجنة برئاسة كنعان مرتان مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها بمواده الـ29، بعد نقاشات امتدت لأكثر من ثلاثة اشهر في المرة الأولى أكثر من شهر في المرة الثانية. وتمحورت المعركة حول صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، وآليات تعيين الإدارة المؤقتة والمصفّي، وحق المراجعة القضائية، وتراتبية الأموال، وحماية المودعين.
دفع كنعان باتجاه ربط معالجة ودائع الزبائن بقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ورفض استخدام الودائع لامتصاص الخسائر قبل إقرار القانون الذي يحدد مسؤولية كل من الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وبالنسبة إليه، لا يمكن إصلاح القطاع المصرفي بقرار إداري يشطب مصرفاً أو يدمجه، فيما يبقى مصير أصحاب الودائع معلّقاً والأهم يبقي الثقة بالقطاع المصرفي مفقودة.
في قلب مقاربته معادلة يكررها منذ بداية الأزمة: المسؤولية مشتركة بين الدولة التي استدانت وأنفقت، ومصرف لبنان الذي موّل سياساتها، والمصارف التي وظفت أموال المودعين في هذا النظام. وبالتالي، لا يجوز تحميل المودع وحده الخسارة أو التعامل مع ودائع الناس كرقم قابل للشطب لإرضاء المؤسسات الدولية.
لكن حماية الودائع في النص لا تحل وحدها مشكلة تمويل استردادها. وهنا يبرز الامتحان الأصعب أمام كنعان: الانتقال من تثبيت الحقوق على الورق إلى إيجاد موجودات وإيرادات وآليات تسمح بإعادتها فعلياً.
فالدولة مثقلة بالديون، ومصرف لبنان يحمل فجوة مالية ضخمة، والمصارف فقدت جزءاً كبيراً من رساميلها وسيولتها. وأي وعد بإعادة الودائع من دون تحديد مصادر التمويل والمدة الزمنية يبقى، وفق تعبير كنعان نفسه، أشبه بـ”سمك في البحر”.
لا يقدّم كنعان نفسه بوصفه خصماً لصندوق النقد الدولي لا بل على العكس، لكنه يرفض اختزال الإصلاح بالحصول على رضاه. فهو يرى أن استعادة ثقة اللبنانيين بالنظام المالي تسبق القدرة على جذب المستثمرين أو الاقتراض مجدداً من الخارج، وأن اقتصاداً يعود إلى النموذج نفسه، القائم على الاستدانة لتمويل دولة غير منتجة، سيعيد إنتاج الانهيار ولو حصل على شهادة حسن سلوك دولية.
وتضعه هذه المقاربة بين ضغوط متعارضة. فالمؤسسات الدولية تطالب بإصلاحات سريعة وحاسمة تعترف بالخسائر وتعيد هيكلة المصارف، فيما يخشى المودعون أن تتحول الإصلاحات الى غطاء لشطب حقوقهم. وبين الطرفين، تحاول لجنة المال صياغة نصوص قابلة للتطبيق من دون تفجير مواجهة اجتماعية أو منح المصارف والدولة براءة من المسؤولية.
لم يكن تأثير كنعان قائماً على امتلاكه القرار النهائي، فرئيس لجنة المال لا يحكم الدولة ولا يدير مصرف لبنان ولا يصدر الأحكام القضائية. قوته الفعلية تكمن في قدرته على التحكم بإيقاع النقاش التشريعي، واستدعاء الوزراء والمسؤولين، وطلب المستندات، وتعديل مشاريع القوانين، وصياغة القواعد التي تسمح بانتقالها إلى الهيئة العامة كما مكاشفة الرأي العام بالحقائق مهما كانت حساسة.
لذلك، يصعب تقييم تجربته بعدد القوانين وحده. فبعض النصوص التي عملت عليها لجنته شكلت تحولاً مهماً في بنية التشريع المالي والرقابي، لكن نتائجها بقيت أقل من حجم الأزمة بسبب ضعف التنفيذ وغياب المحاسبة.
خصومه يرون أنه كان جزءاً من طبقة سياسية حكمت خلال السنوات التي تراكم فيها الدين وانهار القطاع المصرفي، وأن مغادرته “التيار الوطني الحر” عام 2024 لا تمحو مسؤوليته عن مرحلة طويلة كان فيها أحد أبرز وجوه الفريق المشارك في السلطة. أما مؤيدوه، فيعتبرون أنه مارس استقلاليته داخل اللجنة قبل خروجه من التيار، وحوّل لجنة المال من محطة شكلية لإقرار الموازنات إلى منصة رقابية فتحت ملفات كانت ممنوعة وأجبرت الحكومات على تقديم حساباتها والدفاع عن أرقامها.
بين القراءتين، تبرز حقيقة يصعب تجاوزها: قليلون من النواب اللبنانيين راكموا خبرة مالية وتشريعية موازية لتلك التي راكمها كنعان منذ عام 2009. وقد جعلته هذه الخبرة مرجعاً يصعب تجاوزه في أي اصلاح يتعلق بالموازنة أو المصارف أو الودائع أو الحسابات العامة.
لكن الامتحان الذي يواجهه اليوم يتجاوز كل ما سبقه، ولا سيما بعدما بات نائباً مستقلاً تنظيمياً عن الحزب الذي شكّل جزءاً أساسياً من مسيرته. ففتح ملفات الماضي كشف الخلل، وقوانين مكافحة الفساد أنشأت أدوات للمحاسبة، والتدقيق الجنائي عرض جزءاً من صورة الانهيار. أما استعادة الودائع وإعادة بناء القطاع المصرفي فتتطلبان تحويل سنوات الرقابة والتشريع إلى حل ملموس يشعر به اللبناني في حسابه المصرفي.
وعند هذه النقطة، لن يُقاس إرث إبراهيم كنعان بعدد الجلسات التي ترأسها ولا بحجم التقارير التي أعدتها اللجنة، بل بما إذا كانت القوانين التي تحمل بصمته ستنجح في إعادة جزء من الحقوق إلى أصحابها، ومنع الدولة من العودة إلى الاستدانة والإنفاق بلا حساب.
فالرجل الذي فتح ملف الحسابات المفقودة عام 2010، وغادر الإطار التنظيمي لـ”التيار الوطني الحر” عام 2024، يقف اليوم أمام الحساب الأكبر: من يعيد أموال اللبنانيين، ومن يدفع ثمن الانهيار، وهل يستطيع التشريع أن ينتصر أخيراً على منظومة اعتادت أن تنتج القوانين ثم تعطلها؟
Lebanondebate



