أخبار محلية

دوريل في بيروت: عودة رجل الإليزيه

داود رمال – “اخبار اليوم”

لا يبدو وصول السفير الفرنسي الجديد لدى لبنان باتريك دوريل إلى بيروت انتقال دبلوماسي اعتيادي في سياق تبديل السفراء، ولا يمكن فصل تعيينه عن المرحلة الدقيقة التي يدخلها لبنان، حيث تتقاطع إعادة بناء الدولة مع استحقاقات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية، فيما تواصل العواصم المعنية بالشأن اللبناني إعادة ترتيب أدوارها وأدوات تأثيرها. فاختيار شخصية سبق أن كانت في قلب صناعة القرار الفرنسي في قصر الإليزيه، وتحديدًا مستشارًا لشؤون الشرق الأوسط لدى الرئيس إيمانويل ماكرون، يبعث برسالة واضحة بأن باريس تتعامل مع سفارتها في بيروت ليس باعتبارها موقعًا بل باعتبارها منصة متقدمة لإدارة ملف شديد الاهمية ومتعدد المستويات.

وتكتسب أهمية دوريل خصوصًا من معرفته المباشرة بالتعقيدات اللبنانية. فهو لا يصل إلى بيروت من موقع الدبلوماسي الذي يحتاج إلى وقت طويل لفهم خريطة القوى اللبنانية أو طبيعة الأزمات المتداخلة فيها، بل يأتي بخبرة تكونت في واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ السياسي اللبناني الحديث، حين كان موقع الرئاسة شاغرًا وحين كانت باريس منخرطة بصورة مباشرة في محاولات الدفع نحو تسوية تتيح إنهاء الفراغ وانتخاب رئيس للجمهورية. وهذه الخلفية تجعل السفير الجديد أكثر من ناقل للرسائل بين باريس وبيروت؛ فهو يحمل معه معرفة متراكمة بتفاصيل الملف اللبناني وبالشخصيات والقوى المؤثرة فيه، وبطبيعة العلاقة بين الاستحقاقات الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية.

ومن هنا يمكن فهم التعيين باعتباره استثمارًا فرنسيًا في الخبرة أكثر منه تغيير في الوجوه. ففي الملفات التي تتسم بتشابك المصالح وتعدد مراكز القرار، تصبح معرفة التفاصيل عنصرًا أساسيًا في القدرة على التأثير. ولبنان تحديدًا ليس ملفًا يمكن التعامل معه من خلال التعليمات الدبلوماسية التقليدية وحدها، لأن القرار السياسي فيه يرتبط بشبكة معقدة من التوازنات الداخلية والارتباطات الإقليمية والمواقف الدولية. وبالتالي فإن إرسال شخصية كانت قريبة من دائرة القرار في الإليزيه يعني أن باريس تريد أن يكون ممثلها في بيروت قادرًا على قراءة المشهد من زاويتين متلازمتين: زاوية الداخل اللبناني، وزاوية الحسابات الاستراتيجية لصانع القرار الفرنسي.

ولذلك فإن وصول سفير بمواصفات دوريل قد يعني أن فرنسا تريد الحفاظ على مستوى عالٍ من الحضور، لا سيما في مرحلة يجري فيها اختبار قدرة المؤسسات اللبنانية على استعادة فاعليتها. فبعد سنوات من الانهيار السياسي والاقتصادي، بات السؤال الأساسي بالنسبة إلى القوى الدولية لا يتعلق فقط بمن يشغل المناصب الدستورية، بل بمدى قدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية والمالية. وفي هذا السياق يصبح موقع السفير الفرنسي مهمًا باعتباره حلقة اتصال بين الرئاسة والحكومة والجيش والقوى السياسية من جهة، والعواصم الدولية والإقليمية من جهة أخرى.

🔴فرنسا- اميركا – السعودية
ومن اللافت في هذا الإطار أن أولويات دوريل المتوقعة لا تبدو محصورة في الاتصالات السياسية الداخلية، بل تمتد إلى شبكة العلاقات الدولية المرتبطة بلبنان. فاللقاءات المرتقبة مع السفيرين الأميركي ميشال عيسى والسعودي فهد بن عبد الرحمن الدوسري تحمل أهمية خاصة، لأن واشنطن والرياض تشكلان، إلى جانب باريس، جزءًا أساسيًا من دائرة العواصم التي تملك قدرة مؤثرة في مسار المرحلة اللبنانية المقبلة. وإذا كانت فرنسا تمتلك تاريخًا خاصًا في لبنان، فإن الولايات المتحدة تتمتع بنفوذ كبير في الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية، فيما تمثل السعودية لاعبًا عربيًا أساسيًا في أي مقاربة تتصل باستقرار لبنان وعلاقاته العربية ومستقبله السياسي والاقتصادي.

وبالتالي فإن اللقاءات التي سيجريها السفير الجديد مع ممثلي هاتين الدولتين يمكن قراءتها في إطار أوسع من التنسيق الدبلوماسي المعتاد. إنها تشير إلى أن باريس تدرك أن الحفاظ على تأثيرها في لبنان يتطلب العمل ضمن شبكة تفاهمات دولية وإقليمية، وليس التحرك بصورة منفردة. والأهم أن دوريل نفسه يمتلك خلفية تساعده على فهم هذا النوع من التنسيق، بعدما سبق أن عمل مستشارًا في السفارة الفرنسية لدى السعودية. وهذه الخبرة تمنحه معرفة مباشرة بآليات التفكير السعودي وبطبيعة المقاربة الخليجية للملف اللبناني، وهي مسألة تزداد أهميتها في مرحلة يبدو فيها أن أي مسار لإعادة الاستقرار في لبنان يحتاج إلى توافق أو تقاطع بين القوى الغربية والعربية المؤثرة.

وهنا تبرز السعودية بصورة خاصة، إذ إن الإشارة إلى استمرار التشاور الفرنسي ـ السعودي حول لبنان، بالتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، تعكس أن باريس لا تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره مجالًا حصريًا لنفوذها التاريخي. بل يبدو أنها تعمل على إعادة تثبيت دورها من خلال التنسيق مع الرياض، بما يتيح بناء مقاربة مشتركة أو متقاربة تجاه الاستحقاقات اللبنانية. وهذا التحول مهم، لأن النفوذ الفرنسي في لبنان يظل أكثر فاعلية عندما يتقاطع مع الدعم العربي، بدل أن يظهر وكأنه مبادرة أوروبية منفصلة عن البيئة العربية التي ينتمي إليها لبنان.

🔴مهمة دوريل والبُعد الايطالي
أما البعد الإيطالي في مهمة دوريل فيضيف عنصرًا آخر إلى الصورة، خصوصًا في ظل البحث في صيغة محتملة لنشر قوات فرنسية وإيطالية. فالملف العسكري والأمني يحتل موقعًا مركزيًا في المرحلة اللبنانية المقبلة، ليس فقط بسبب الحاجة إلى دعم الجيش اللبناني، بل أيضًا بسبب ارتباط الاستقرار الميداني بالترتيبات الدولية والإقليمية الأوسع. وإذا كانت المشاورات الفرنسية ـ الإيطالية لا تزال في طور البحث ولم تصل إلى صيغة نهائية، فإن وجود سفير فرنسي يتمتع بخبرة إقليمية وسياسية واسعة في بيروت قد يمنح باريس قدرة إضافية على متابعة هذا الملف من الميدان السياسي اللبناني، وربط النقاشات الدولية في نيويورك بالتطورات الداخلية.

🔴مؤتمر دعم الجيش
ولا يمكن فصل هذا المسار عن مسألة الجيش اللبناني، التي تبدو إحدى الركائز الأساسية للحضور الفرنسي الجديد. فالمؤتمر التحضيري لدعم الجيش اللبناني المقرر عقده في باريس في 17 أيلول المقبل يشكل محطة ذات دلالة، لأن دعم المؤسسة العسكرية بات جزءًا من أي تصور دولي لإعادة بناء الدولة اللبنانية. ومن هنا تأتي أهمية بحث دوريل مع الرئيس جوزاف عون في إمكانية مشاركة الرئيس في المؤتمر. فالمسألة تتعلق بمحاولة تحويل الدعم الدولي للجيش إلى مسار سياسي منظم يمكن أن ينتج التزامات عملية، سواء على مستوى التجهيز أو التدريب أو التمويل أو تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية على أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار.

والأهم أن الجيش يمثل في المرحلة الحالية أحد المجالات التي يمكن أن تتقاطع حولها مصالح فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا والسعودية بدرجات مختلفة. ومن ثم فإن دور السفير الفرنسي لن يكون منفصلًا عن شبكة اتصالات أوسع تتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية وبالدور الذي يفترض أن تلعبه في تثبيت سلطة الدولة. وإذا تمكنت باريس من الجمع بين تحركها السياسي والجهد الدولي لدعم الجيش، فإنها تكون قد وضعت لنفسها موقعًا مؤثرًا في واحدة من أهم القضايا التي ستحدد مستقبل لبنان في المرحلة المقبلة.

🔴فرنسا حاضرة وناشطة
وفي هذا السياق، تكتسب عبارة أن فرنسا ستبقى حاضرة وناشطة بقوة في لبنان أهمية تتجاوز بعدها السياسي المباشر. فباريس تبدو مدركة أن النفوذ الذي راكمته تاريخيًا في لبنان يواجه منافسة من قوى دولية وإقليمية متعددة، وأن الحفاظ عليه يتطلب حضورًا مستمرًا ومبادرات ملموسة، لا الاكتفاء بالروابط التاريخية أو الخطاب السياسي التقليدي. ولذلك فإن تعيين شخصية كانت في موقع استشاري قريب من الرئيس الفرنسي يمكن أن يمثل محاولة لتقليص المسافة بين السفارة في بيروت ومركز صناعة القرار في باريس، بما يسمح بتسريع الاتصالات وتوحيد الرسائل وتعزيز قدرة السفير على التحرك في الملفات الحساسة.

🔴 مبعوث سياسي دائم
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح دوريل أشبه بمبعوث سياسي دائم لمرحلة لبنانية استثنائية، وإن بقي رسميًا في موقع السفير. فالموقع الذي شغله سابقًا لدى ماكرون يمنحه معرفة مباشرة بأولويات الرئاسة الفرنسية، بينما تمنحه خبرته اللبنانية والإقليمية القدرة على ترجمة هذه الأولويات في بيئة سياسية شديدة التعقيد. وهذه المعادلة هي التي تجعل تعيينه مختلفًا عن تعيين دبلوماسي محترف يأتي إلى بلد جديد ويبدأ ببناء شبكة علاقاته من الصفر.

كما أن اختيار رجل يعرف لبنان في مرحلة الشغور الرئاسي يحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا مهمًا. فقد كانت فرنسا آنذاك منخرطة بقوة في الدفع باتجاه إنهاء الفراغ الرئاسي، فيما كانت الأزمة اللبنانية قد تحولت إلى ملف دولي مفتوح. واليوم يعود أحد الذين شاركوا في إدارة ذلك الملف إلى بيروت في مرحلة يفترض فيها أن تكون الأولوية للانتقال من معالجة الفراغات الدستورية إلى بناء الدولة وتعزيز المؤسسات. بمعنى آخر، ينتقل دوريل من مرحلة كان السؤال فيها: كيف نعيد تشغيل المؤسسات السياسية اللبنانية؟ إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: كيف نضمن أن تصبح هذه المؤسسات قادرة على العمل والاستمرار وإنتاج الاستقرار؟

وهذا الانتقال يفسر ربما لماذا لا تبدو مهمة السفير الجديد محصورة في العلاقة الثنائية بين لبنان وفرنسا. فلبنان يدخل مرحلة تتطلب إعادة صياغة علاقته بالمجتمع الدولي، وإعادة بناء الثقة مع الدول العربية والغربية، وتثبيت موقع الجيش والمؤسسات الشرعية، وإطلاق مسارات اقتصادية وسياسية قادرة على إخراج البلاد من حالة الانهاك المزمن. وفي مثل هذه المرحلة تحتاج فرنسا إلى شخصية قادرة على التحرك عبر هذه الملفات مجتمعة، لا إلى دبلوماسي يكتفي بإدارة العلاقات اليومية.

🔴 المشهد اكثر تعقيدا
ومع ذلك، فإن أهمية التعيين لا تعني أن باريس تمتلك وحدها القدرة على تحديد اتجاه لبنان. فالمشهد اللبناني بات أكثر تعقيدًا من أن يخضع لتأثير دولة واحدة، مهما كانت علاقاتها التاريخية ومهما كان مستوى خبرة سفيرها. نجاح الدور الفرنسي سيبقى مرتبطًا بقدرة باريس على بناء تفاهمات مع واشنطن والرياض وروما وغيرها، وبمدى استعداد القوى اللبنانية نفسها للتفاعل مع المبادرات الخارجية على أساس مصلحة الدولة، لا على أساس الاصطفافات الداخلية والإقليمية. كما أن قدرة دوريل على التأثير ستتوقف على هامش الحركة الذي تمنحه له التطورات اللبنانية وعلى مدى انسجام الموقف الفرنسي مع مواقف حلفائه وشركائه.

🔴 لا انسحاب بل تثبيت حضور
لكن الرسالة الأساسية التي يحملها وصوله تبدو واضحة تتمثل في ان فرنسا لا تستعد للانسحاب من لبنان، بل لإعادة تثبيت حضورها فيه بأدوات أكثر خبرة واتصالًا بمراكز القرار. وتعيين شخصية تجمع بين المعرفة المباشرة بلبنان والخبرة في قصر الإليزيه والعمل السابق في السعودية، في وقت تتقدم فيه ملفات الجيش والأمن والتنسيق الدولي، يوحي بأن باريس تريد لسفارتها في بيروت أن تكون جزءًا فاعلًا من عملية إعادة ترتيب المشهد اللبناني، لا مجرد شاهد على التحولات الجارية.

🔴 من الخبرة الى النفوذ العملي
والقيمة السياسية الفعلية لوصول باتريك دوريل ستظهر في قدرته على تحويل هذه الخبرة المتراكمة إلى نفوذ عملي، وعلى وصل بيروت بباريس والعواصم المؤثرة، وعلى المساهمة في بناء شبكة دعم دولية للبنان تكون الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش، محورها الأساسي. وإذا نجحت باريس في ذلك، فإن تعيين السفير الجديد سيكون أكثر من تغيير دبلوماسي؛ سيكون مؤشرًا إلى أن فرنسا اختارت أن تدخل المرحلة اللبنانية المقبلة من موقع اللاعب المبادر، وأنها أرسلت إلى بيروت رجلًا يعرف الملف من داخله، ويعرف كذلك كيف يُدار في الغرف التي تُصنع فيها القرارات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |