تدمير مستشفى غندور في النبطية: هل يبدأ سيناريو غزة؟

تخطّى العدو الإسرائيلي الخطوط الحمر في حربه على القطاع الصحي، منتقلاً إلى مرحلة أكثر تقدّماً في مسلسل القتل والتدمير. لم يعد في الأمر أي لبس، ولم يعد العدو معنيّاً أصلاً بتبرير ضرباته عبر إلصاقها ببنية حزب الله التحتية. كل ما كان يُطرح سابقاً من ذرائع سقط بالأمس، مع التدمير الكامل لمستشفى غندور الخاص في منطقة النبطية الفوقا، باستهداف مباشر محا خمس طبقات و45 عاماً من العمل الطبي في المنطقة.
ولئن لم يكن استهداف المنشآت الصحية هو الأول من نوعه، فإن هذه الضربة جاءت مباشرة في مبنى المستشفى، في تخطٍّ واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية المنشآت الصحية، ولا سيما بموجب اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، التي تكرّس حماية المرافق الطبية وتجرّم الاعتداء عليها في سياقات النزاعات المسلحة. ومع تدمير مستشفى غندور، انتقل العدو إلى مستوى أعلى من القتل، فلم يعد يميّز بين صرح طبي تحميه القوانين الدولية وهدف عسكري. وبحسب مدير المستشفى المُدمّر، الدكتور أحمد غندور، تلاشى الفارق بين «حامل البارودة والطبيب… وهذا ديدن من يتخذ القتل مهنة».
على مدى 45 عاماً، وتحديداً منذ عام 1982، عمل مستشفى غندور على تقديم الخدمات الطبية المتنوعة لأبناء المنطقة، من «الولادة إلى جراحة المنظار والأنف والأذن والحنجرة والطوارئ والمختبر والأشعة، وغيرها من الأقسام التي بنيناها واحداً تلو الآخر». وخلال هذه السنوات، مرّت على المنطقة حروب كثيرة، من اجتياح عام 1982 وصولاً إلى حرب عام 2024، «إلا أن هذه الحرب الأخيرة لم نشهد مثلها»، يقول غندور. ولأنها كذلك، لم يفاجأ مدير المستشفى بتدميره، وهو الذي كان يدرك أن النهاية آتية لا محالة. ويستذكر أنه، قبل يومين فقط، كان يعدّ ما تبقّى في الضيعة من بيوت، فلم يجد سوى مبنى المستشفى. أمّا الضيعة القديمة، فـ«مرشوها مرش».
يستعيد غندور تفاصيل المستشفى الذي اختفى تحت الركام. كانت الطبقة الأرضية تمتد على نحو 2000 متر مربّع، فيما بلغت مساحة الطوابق الأربعة فوق الأرض نحو 1750 متراً مربعاً. وفي هذه المساحة، «كنا نحرص على تقديم أفضل الخدمات ومواكبة الناس في السلم والحرب». وحتى خلال حرب عام 2024، وبرغم ما تعرّض له المستشفى من قصف، واصل تقديم خدماته «بقدر الإمكان». أمّا في الحرب الحالية، فلم يعد قادراً على مواصلة العمل بفعل القصف المركّز على المنطقة، فأُقفل بشكل كامل منذ نحو شهرين، بحسب بيان وزارة الصحة العامة.
يؤكد مدير المستشفى أن لا قدرة على استعادة ما كان، في ظل ضعف الإمكانات الذاتية، «بعدما باتت أموالنا في المصارف عم نشحدها شحادة».
مُحيَ مستشفى غندور، ومعه بيوت القرية بالكامل، وقرى بأكملها. إلا أن تدمير المستشفى يحمل رمزية خاصة، باعتباره مرفقاً طبياً يفترض أن يكون محمياً بالقانون الدولي. ومن هنا، يبدو الاستهداف بمثابة رسالة إنذار أولى إلى مستشفيات أخرى في الجنوب تقع عند خط النار، وتواصل تقديم خدماتها يوماً بيوم، من دون أن تعرف ما إذا كان لها يوم تالٍ. وهذا تحديداً ما يثير المخاوف في القطاع الصحي من تكرار سيناريو غزة، حيث بدأ الاستهداف بالمستشفيات، قبل أن يمتد إلى القطاع الصحي برمّته.
ولم يستثنِ العدو أصلاً المستشفيات والصروح الطبية الأخرى، من مراكز الرعاية الصحية الأولية إلى المراكز الإسعافية. وبحسب آخر «حصيلة تراكمية» للاعتداءات على القطاع الصحي والعاملين فيه، بلغ عدد المستشفيات المتضرّرة 13 مستشفى، بينها مستشفيان مُغلقان هما مستشفى ميس الجبل ومستشفى صلاح غندور. كما تخطّى عدد مراكز الرعاية الصحية الأولية المُستهدفة 35 مركزاً، فيما تضرّر 40 مركزاً إسعافياً و184 مركبة. أمّا حصيلة الشهداء في القطاع الصحي، فبلغت 135 شهيداً، بينهم 130 مُسعِفاً وخمسة أطباء وممرضين، فيما بلغ عدد الجرحى 416.
راجانا حمية – الاخبار




