أخبار محلية

الطرح الإسرائيلي الجديد… احتلالٌ بحدود جديدة؟

داود رمال
أخبار اليوم
تبدو الخطة الإسرائيلية الجديدة للانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة والتمركز على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية في جوهرها، محاولة لإعادة تعريف شكل الاحتلال وحدوده ووظيفته، عبر الانتقال من واقع عسكري واسع ومكلف إلى منطقة أمنية أكثر ضيقاً ووضوحاً، تحت مسمى “الخط الرمادي”. وإذا كانت الخطة لا تزال في طور البحث ولم تحصل بعد على المصادقة السياسية النهائية، فإن تداولها بهذا التفصيل يكشف عن تحول مهم في طريقة مقاربة إسرائيل للواقع الأمني في جنوب لبنان، بحيث لا يكون الانسحاب خروجاً كاملاً من الأراضي اللبنانية، وإنما إعادة تموضع تسمح بالاحتفاظ بموطئ قدم عسكري داخل لبنان وتحويله إلى منطقة عازلة متقدمة تؤدي وظيفة الحدود الأمنية الإسرائيلية الجديدة.

وقال مصدر دبلوماسي في بيروت ل”وكالة اخبار اليوم” أن “خطورة هذا التصور تكمن في أن “الخط الرمادي” لا يعني عملياً العودة إلى الحدود الدولية، بل إنشاء واقع جغرافي وأمني جديد يتجاوزها. فبدلاً من بقاء القوات الإسرائيلية في المرتفعات والمواقع التي سيطرت عليها خلال المرحلة الأخيرة، بما فيها مناطق تتوغل في العمق اللبناني، تقوم الفكرة على التراجع إلى حزام أقرب إلى الحدود، مع الإبقاء على مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية تكون بمثابة نقاط ارتكاز متقدمة. وبذلك يتحول الانسحاب من مفهومه القانوني والسيادي، أي إنهاء الوجود العسكري على أرض دولة أخرى، إلى مفهوم عملياتي إسرائيلي يقوم على تقليص مساحة الاحتلال مع الحفاظ على القدرة على استخدام الأراضي اللبنانية كمنطقة مناورة ومراقبة وتدخل”.

واضاف المصدر “هنا تحديداً يظهر البعد الاستراتيجي للخطة. فإسرائيل لا تسعى، وفق هذا التصور، إلى التخلي عن قدرتها على العمل داخل لبنان، وإنما إلى تنظيم هذه القدرة ضمن نطاق جغرافي ثابت يمكن الدفاع عنه وتبريره أمنياً. فالخط الجديد، في حال اعتماده، سيكون أقرب إلى منطقة أمنية متقدمة منها إلى حدود فعلية، وستكون وظيفته الأساسية توفير عمق إضافي للبلدات الإسرائيلية المحاذية للحدود، ومنح القوات الإسرائيلية هامشاً زمنياً وميدانياً للتعامل مع أي نشاط تعتبره تهديداً قبل وصوله إلى الأراضي الإسرائيلية. وهذا يعني أن الجنوب اللبناني قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: انسحاب إسرائيلي جزئي من جهة، وترسيخ وجود عسكري إسرائيلي دائم أو شبه دائم داخل الأراضي اللبنانية من جهة أخرى”.

وأوضح المصدر ان “الأخطر أن هذا الترتيب قد يحوّل الاحتلال المؤقت إلى أمر واقع طويل الأمد. فالتجارب التاريخية في المناطق الحدودية تظهر أن الأحزمة الأمنية التي تنشأ بذريعة الضرورات العسكرية نادراً ما تبقى محدودة الوظيفة. ومن هنا فإن تسمية المنطقة بـ”الخط الرمادي” لا تغير من طبيعتها الأساسية، لأن المعيار ليس الاسم الذي يطلق عليها، بل واقع وجود قوات احتلال ومواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وقدرتها على التحرك منها إلى مناطق أخرى كلما قررت أن هناك خطراً أمنياً يستدعي ذلك”.

وواكد المصدر ان “الخطير الذي يحمل تفسيرات متعارضة الخطة كونها تربط الانسحاب الإسرائيلي بملف السلاح داخل لبنان. فالتصور المطروح لا يفصل بين إعادة الانتشار وبين محاولة إنتاج معادلة سياسية وأمنية جديدة تقوم على تسليم الدولة اللبنانية مسؤولية المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، مقابل التزام رسمي بمنع عودة أي قوة مسلحة إلى المواقع الجنوبية. وفي الظاهر، تبدو هذه المعادلة محاولة لنقل المسؤولية الأمنية تدريجياً إلى الدولة اللبنانية، لكنها في العمق تطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة الدور الإسرائيلي في المرحلة التالية؛ هل سيكون طرف ينسحب ويترك للدولة اللبنانية مسؤولية الأمن، أم سيحتفظ لنفسه بحق مراقبة التنفيذ والتدخل بالقوة إذا رأى أن الدولة لم تنجح في منع العودة؟”.

وتابع المصدر انه “إذا جرى اعتماد الخيار الثاني، فإن “الخط الرمادي” لن يكون منطقة انسحاب، بل سيصبح جزءاً من آلية أمنية عابرة للحدود تمنح إسرائيل حقاً عملياً في التدخل داخل الأراضي اللبنانية. وهذا من شأنه أن يخلق مشكلة سيادية وقانونية بالغة التعقيد، لأن أي ترتيبات أمنية جدية يفترض أن تكون قائمة على تفاهم واضح بين دولتين، لا على قرار أحادي الجانب يحدد فيه طرف واحد حدود المنطقة التي يحق له الانتشار فيها وآليات استخدام القوة داخل أراضي الطرف الآخر”.

وقال “كما أن الخطة تحمل في طياتها محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الانسحاب ونزع السلاح. فالمعادلة التي يجري الترويج لها تفترض أن تقليص الاحتلال الإسرائيلي يمكن أن يشكل مدخلاً إلى انتقال تدريجي للمسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، وأن هذا الانتقال قد يفتح الباب أمام معالجة ملف السلاح من خلال الدولة. غير أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على شرط أساسي هو أن يكون الانسحاب حقيقياً وملموساً ومقترناً بضمانات واضحة، لا أن يتحول إلى انتقال من احتلال واسع إلى احتلال أقل مساحة. فالانسحاب الذي يبقي قوات أجنبية داخل الأراضي اللبنانية ويمنحها حق التدخل عند الحاجة لن يكون بالضرورة كافياً لإنتاج الثقة المطلوبة لفتح مسار سياسي وأمني مستقر”.

ورأى المصدر انه “من هذه الزاوية، يصبح “الخط الرمادي” اختباراً مزدوجاً؛ لإسرائيل في مدى استعدادها لتحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية، وللدولة اللبنانية في مدى قدرتها على استعادة مسؤوليتها الأمنية على كامل أراضيها. فإذا كان الهدف الإسرائيلي هو فعلاً الانتقال من انتشار عسكري واسع إلى وضع أمني أكثر استقراراً، فإن المسار المنطقي لذلك يجب أن يقود في النهاية إلى انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية، لا إلى تثبيت منطقة احتلال جديدة تحت تسمية مختلفة. أما إذا كان المقصود هو إنشاء حزام أمني دائم يحتفظ من خلاله الجيش الإسرائيلي بحرية الحركة والتدخل، فإن الخطة لن تكون سوى إعادة إنتاج لمنطق المناطق العازلة الذي عرفه الجنوب اللبناني في مراحل سابقة، مع اختلاف في الشكل والتسمية والعمق”.

واعتبر المصدر ان “الخطة تكشف أيضاً عن حجم المعضلة التي تواجهها إسرائيل في إدارة المرحلة التالية. فالاحتفاظ بالمواقع المتقدمة داخل لبنان يحقق مكاسب عسكرية مباشرة، لكنه يحمّلها في المقابل كلفة سياسية وأمنية مستمرة، ويجعل قواتها المنتشرة في العمق اللبناني أهدافاً محتملة لأي تصعيد. أما الانسحاب الكامل فيسحب منها ورقة ضغط ميدانية ويضعها أمام مسؤولية الاعتماد على آليات سياسية ودولية لضمان أمن حدودها. ولذلك يبدو “الخط الرمادي” محاولة للوقوف بين الخيارين؛ لا انسحاب كامل يبدد المكاسب التي تحققت بالقوة، ولا انتشار واسع يفرض كلفة بشرية وعسكرية وسياسية مرتفعة”.

وحذر المصدر من أن “هذا الخيار الوسطي قد يكون الأكثر قابلية لإنتاج أزمة جديدة إذا لم يحظَ بتفاهم سياسي واضح. فبقاء الاحتلال الإسرائيلي داخل لبنان ولو على عمق محدود سيبقي ملف الاحتلال مفتوحاً، كما أن منحها هامشاً للتدخل داخل الأراضي اللبنانية سيجعل أي حادث أمني قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. وفي المقابل، فإن مطالبة الدولة اللبنانية بمنع أي عودة إلى المواقع التي تنسحب منها إسرائيل ستضع المؤسسة العسكرية أمام مهمة شديدة التعقيد، خصوصاً إذا ترافقت مع آلية مراقبة إسرائيلية أو حق إسرائيلي في التدخل”.

ولفت المصدر الى أن “جوهر المسألة لا يتعلق بمقدار الانسحاب الإسرائيلي، بل بما سيأتي بعده. فإذا كان “الخط الرمادي” محطة انتقالية نحو انسحاب كامل، ويمكن وضعه ضمن اتفاق سياسي واضح ومحدد زمنياً وتحت رقابة وآلية دولية متوافق عليها، فقد يتحول إلى خطوة في اتجاه خفض التوتر وإعادة تثبيت سلطة الدولة. أما إذا كان المقصود تثبيت واقع أمني جديد داخل لبنان، والإبقاء على حق التدخل العسكري كلما رأت إسرائيل تهديداً، فإن الخط الرمادي سيكون عملياً خطاً جديداً للاحتلال، أكثر ضيقاً من الخط السابق لكنه أكثر خطورة من الناحية السياسية، لأنه يسعى إلى تحويل الاستثناء العسكري إلى قاعدة أمنية دائمة”.

وبين هذين الاحتمالين يبقى القرار السياسي هو العامل الحاسم، خصوصاً أن الخطة لم تصل بعد إلى مرحلة المصادقة النهائية. وما ستكشفه المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستتراجع بضعة كيلومترات، وإنما ما إذا كان هذا التراجع سيشكل بداية طريق للخروج من الأراضي اللبنانية أم إعادة هندسة للاحتلال بطريقة أكثر قابلية للاستمرار. فالفرق بين الانسحاب وإعادة الانتشار لا تحدده المسافة التي تتحركها القوات، بل الجهة التي تملك القرار في الأرض بعد تحركها، والحدود التي تلتزم بها القوة المنسحبة، والآلية التي تمنع تحويل المنطقة الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم. وفي هذه النقطة تحديداً تكمن حقيقة “الخط الرمادي” قد يكون خطوة أولى نحو الانسحاب، وقد يكون اسماً جديداً لاحتلال قديم، والفاصل بين الاحتمالين هو طبيعة التفاهم السياسي الذي سيولد حوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |