أخبار محلية

ما سرّ الحملة السياسية على القاضي صعب؟

نداء الوطن – سامر زريق

ما كاد المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب يسلّم مطالعة النيابة العامة التمييزية إلى المحقق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار حتى بدأت تتوالى تسريبات، اشتعلت على إثرها حملات سياسية الطابع، تركزت بدرجة أساسية على صعب غداة تسريب عن اتهام للرئيس السابق ميشال عون بالإهمال والتقصير.

التسريبات أمر طبيعي، وتندرج ضمن قواعد العمل السياسي في لبنان، وخصوصًا في قضية استثنائية ومحورية مثل تفجير مرفأ بيروت. لكنها لا تعد عاملا حاسمًا ولا سيما في ظل وجود مسار قانوني ستسلكه القضية بعد مطالعة صعب، حيث يمكن للبيطار أن يأخذ بها أو لا يأخذ بها. كما أن الخطوة لا تعني قرب موعد إصدار الأخير للقرار الاتهامي، حيث سبق أن ضربت له التسريبات عدة مواعيد ولم يحدث شيء، ومن الممكن أن يصدره في غضون أسابيع أو أشهر.

ومع ذلك، فإن ورود اسم الرئيس ميشال عون، في حال صحّت التسريبات، ليس بعامل يقوض مصداقية التحقيق، فهو كان رئيسًا للجمهورية ويقبض على عدة أكثريات في مجلس الوزراء وبنية الدولة الإدارية. ناهيكم أن الاتهام هو بسبب التقصير والإهمال وليس بالمشاركة العمدية، ويمكن الطعن به بالطرق القانونية، ويمكن أن لا تطاله المحاكمات من أساسه بسبب تعقيد مسألة الصلاحيات.

إذ ذاك فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا استنفر “التيار الوطني الحر” بهذه الطريقة وبدأ في إطلاق حملات سياسية مضادة بخطاب طائفي وشعبوي؟ ولماذا الحملة على القاضي صعب، واستخدام مواقفه الشخصية في قضايا ذات طابع اجتماعي وأخلاقي، وأنه كان مستشارًا للنائب أشرف ريفي حينما كان وزيرًا للعدل، وكأنها أدلة إدانة؟ فالرجل قام بواجباته وفق صلاحياته القانونية، وكان حريصًا على التكتم الشديد وعدم حصول تسريبات.

علاوة على ذلك، فإن الربط بين الطعن الذي قدمه باسيل وكتلته النيابية أمام “المجلس الدستوري” وعطّل “العفو العام”، وبين ورود اسم ميشال عون في التسريبات، هو عمل بحد ذاته مثير للشبهة، ويفتح القوس باتجاهات أكثر التباسًا. فهل نما إلى مسامع رئيس “الوطني الحر” و”شركاه” بفعل نفوذهم الباقي داخل مؤسسات الدولة، بأن اسم رئيس الجمهورية السابق سيرد في الأصل، فرفع سقف خطابه ومواقفه ضمن إطار سياسة دفاع استباقي، بعد هدوء ملحوظ منذ نيل الحكومة الثقة؟ وهل تندرج خطوة الطعن في العفو ضمن هذه السياسة؟

في جلسة مساءلة الحكومة بدا باسيل أقرب إلى “فارس بلا جواد”، مأزوم يصول في حرم البرلمان لتسجيل نقاط سياسية، مستخدمًا في بعض المواضع كلام حق يراد به أهدافًا أخرى. وعلى خط مواز فإن “حزب الله” بدأ حملة على القاضي صعب منذ مدة بلا سبب واضح، بما يحيل إلى الاستنتاج بأن كلا الحليفين كانا على بينة من شيء ما.

ربما تكمن كلمة السر في الأثر السياسي المتوقع. فالقرار الاتهامي في قضية تفجير مرفأ بيروت ستكون له تبعات سياسية “زلزالية”، ستسهم في إعادة ترسيم حدود اللعبة السياسية عبر طي صفحة حقبة بأركانها، وتعبيد الطريق أمام حقبة كاملة لا تزال تتلمس طريقها وسط معوقات موروثة. وبالنسبة لـ”التيار الوطني الحر” فإنه كان يعاني من تراجع دوره في المعادلة الداخلية، ويدرك رئيسه أنه نتيجة التسريب المتعلق باسم الرئيس ميشال عون سيتعرض خلال الفترة الفاصلة عن موعد صدور القرار الاتهامي إلى ضغوط شديدة الوطأة تطال الموضع الأكثر حساسية وتأثيرًا “رمزية المؤسس”.

الأمر الذي سيصيب أهم أسلحة باسيل لإدارة وضبط تياره، وهو الذي لا يزال يستخدم اسم وصورة عون بنمط مكثّف، ويفسح المجال أمام محاكمة شعبية سبق أن خبر نسخة عنها في “انتفاضة 17 تشرين الأول 2019″، والتي آذت حضوره ومستقبله السياسيين وأخرجته من دائرة الحكم المباشر. وأفضل وسيلة للدفاع تحويل الضغط باتجاه المحقق العدلي على قاعدة “اضرب زيدًا يستقم عمرو”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |