أخبار محلية

تامبا وضهر البيدر: مَن يحكم لبنان؟

بين اجتماعات تامبا المرتقبة ومتفجّرات “حزب الله” المضبوطة في ضهر البيدر، يقف لبنان أمام مفترق يتجاوز التفاوض العسكري والتحقيق الأمني، ليصل إلى السؤال الأكثر حساسية في تاريخ الجمهورية: مَن يملك قرار الحرب والسلم، ومَن يملك السلطة الفعلية على الأرض؟ فبين طاولة المفاوضات في الولايات المتحدة وشحنة المتفجّرات في الداخل، تتحدّد معالم مواجهة سياسية عنوانها استعادة الدولة، وركيزتها المشروع السيادي الذي يعمل الرئيس جوزاف عون على ترجمته إلى قرارات ومؤسسات.

في تامبا، حيث يُتداول انعقاد جولة مفاوضات لبنانية . إسرائيلية برعاية أميركية بين 20 و22 تشرين الأول، وسط احتمالات التأجيل، تتقدّم ملفات الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وانتشار الجيش، وترتيبات الأمن الحدودي. غير أن أهمية هذه المحادثات لا تكمن في انعقادها فحسب، بل في قدرتها على تحويل اتفاق الإطار من التزامات سياسية إلى خطوات متبادلة قابلة للتحقّق. فلبنان لا يستطيع بناء استقرار دائم إذا بقيت أراضيه تحت الاحتلال، ولا يستطيع المطالبة بضمانات دولية فيما يبقى قراره الأمني موزّعًا بين الدولة وقوى مسلّحة خارج سلطتها.

في المقابل، كشفت قضية ضبط نحو 780 كيلوغرامًا من المتفجّرات في ضهر البيدر، بينها مادتا “تي أن تي” و”سي فور”، حجم التحدّي الداخلي. وإذ أقرّ النائب حسن فضل الله بملكية “حزب الله” للشحنة، مؤكّدًا أنها مخصّصة لمواجهة إسرائيل، فإن هذا الإقرار لا يعفي من تحديد المسؤوليات وكشف مسار المتفجّرات ووجهتها الفعلية. أما الشبهات بشأن استخدامها المحتمل في الداخل، فتظلّ موضع تحقيق لا يجوز استباق نتائجه. لكن مطالبة “الحزب” باستعادة الشحنة والإفراج عن الموقوفين تطرح إشكالية أخطر: هل تستطيع جهة سياسية أو عسكرية فرض استثناء على سلطة القضاء وقرارات الحكومة؟

هنا تبرز أهمية موقف الرئيس جوزاف عون، الذي لم يتعامل مع القضية باعتبارها اختبارًا لإرضاء واشنطن، بل امتدادًا لالتزامه بحصرية السلاح وسيادة القانون. ففي اتصاله مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في 15 تشرين الأول، شدّد على قيام الجيش والقوى الأمنية بواجباتها في مصادرة الأسلحة ومكافحة التهريب، مؤكّدًا أن القوانين ستُطبّق من دون محاباة. وفي الوقت نفسه، طالب واشنطن بالضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والتجريف في الجنوب، والسماح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم، والالتزام باتفاق الإطار.

وليس هذا الموقف منفصلا عن مبادرة عون ذات النقاط الأربع التي طرحها سابقًا أمام قادة دوليين، وجمعت بين وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ودعم المؤسسة العسكرية، ومصادرة سلاح “حزب الله” ومخازنه، وإطلاق مفاوضات مباشرة برعاية دولية. وتكمن أهمية هذه المقاربة في رفض الفصل بين سيادة الدولة في الداخل وسيادتها على الحدود، من دون تحويل الاعتداءات الإسرائيلية إلى مبرّر دائم لاستمرار السلاح خارج الشرعية.

والأهم أن عون يدرك حساسية المعادلة الداخلية، ولذلك يجمع بين الحزم في تنفيذ قرارات الدولة وتجنّب الصدام الأهلي. فاستعادة السيادة ليست مواجهة مع طائفة أو بيئة اجتماعية، بل ضمانة لجميع اللبنانيين، وفي مقدّمهم أبناء الجنوب الذين دفعوا أثمان الحروب والتهجير والدمار. ولا تكتمل هذه المعادلة من دون دعم الجيش، وحماية استقلال القضاء، وإيجاد ضمانات دولية فعّالة، خصوصًا مع اقتراب المرحلة الانتقالية المرتبطة بانسحاب “اليونيفيل”.

أما واشنطن، التي شدّدت على ضرورة عدم إعادة المتفجّرات ومحاسبة المسؤولين عن نقلها، فتواجه بدورها اختبار المصداقية: لا يكفي مطالبة لبنان بتنفيذ التزاماته إذا لم يقابلها ضغط جدّي على إسرائيل لتنفيذ تعهّداتها. فنجاح أي تسوية يتطلّب التزامات متبادلة، لا شروطًا تُفرض على طرف ويُعفى منها الآخر.

إن المعركة الحقيقية ليست بين تامبا وضهر البيدر، بل بين منطق الدولة ومنطق الأمر الواقع. وإذا كان الرئيس جوزاف عون يخوض معركة إعادة القرار إلى المؤسسات، فإن نجاحه لن يُقاس بحجم التأييد الدولي وحده، بل بقدرة الدولة على فرض القانون، واستعادة الأرض، وحماية السلم الأهلي.

فالسيادة لا تُستعاد بتوقيع في تامبا، ولا بمصادرة متفجّرات في ضهر البيدر، بل عندما يصبح للبنان قرار واحد، وسلاح شرعي واحد، ودولة واحدة لا ينازعها أحد على حقّ تقرير مصيرها.

نداء الوطن – جو رحّال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |