الشطرنج اللبناني يُقصي أبناءه في الخارج… كفاءات تخسر فرصة تمثيل وطنها!

Mtv
في بلدٍ لطالما شكّل اغترابه مصدر قوّة له، يبدو أنّ بعض اللبنانيين باتوا محرومين من المنافسة الرياضية في وطنهم، لا بسبب نقصٍ في الكفاءة أو غيابٍ في الانتماء، بل بسبب رمزٍ في سجلات الاتحاد الدولي للشطرنج! والمفارقة أنّ بعض هؤلاء اللاعبين يحقّقون إنجازات لافتة في الخارج، فيما يواجهون عراقيل للمشاركة في بطولات بلدهم أو تمثيله دولياً.
فقد أثار قرار الاتحاد اللبناني للشطرنج حصر المشاركة في بطولة لبنان الفردية للشطرنج السريع لعام 2026 باللاعبين اللبنانيين المسجّلين لدى الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE) تحت الرمز اللبناني (LBN)، اعتراضات وتساؤلات حول مصير الكفاءات اللبنانية المقيمة في الخارج والمسجّلة تحت رموز اتحادات أجنبية.
لبنانيّ الجنسية… لكنّه غير مؤهّل للمشاركة!
القضية برزت بعدما رفض الاتحاد طلب أحد اللاعبين اللبنانيين المسجّلين تحت رمز الاتحاد الفرنسي (FRA)، رغم حمله الجنسية اللبنانية. وفي كتاب رسمي، أوضح الاتحاد أنّ المشاركة في البطولة تتطلّب شرطين متلازمين: الجنسية اللبنانية والتسجيل تحت الرمز اللبناني، مستنداً إلى المادة 23 من نظامه الداخلي وأحكام الاتحاد الدولي للشطرنج ذات الصلة.
إلّا أنّ القرار أثار اعتراضاً قانونياً استند إلى مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة السابعة من الدستور اللبناني، باعتبار أنّ الانتساب الرياضي إلى اتحاد أجنبي لا يُلغي الجنسية اللبنانية، ولا ينبغي، وفق أصحاب الاعتراض، أن يشكّل وحده سبباً للحرمان من المشاركة في بطولة وطنية.
وفي هذا السياق، أوضح وسام بولس، المسؤول عن الفئات العمرية الشابة في نادي J.E.E.N. الباريسي للشطرنج، في حديث لموقع MTV، أنّه تواصل مباشرةً مع الاتحاد الدولي للشطرنج للاستفسار عن القواعد المعتمدة، وتلقّى، بحسب قوله، ردّاً يؤكّد أنّ الاتحاد الدولي لا يُلزم الاتحادات الوطنية باشتراط تسجيل اللاعبين تحت رمزها الرياضي للمشاركة في البطولات المحلية.
وأشار إلى أنّ الوضع يختلف عند تمثيل لبنان في المنافسات الدولية، حيث يُشترط أن يكون اللاعب مسجّلاً تحت الرمز اللبناني (LBN). أمّا المشاركة في بطولة محلية، فلا يفرض الاتحاد الدولي، وفق الردّ الذي تلقّاه بولس، حصرها باللاعبين الحاملين لهذا الرمز، ما يفتح باب التساؤل حول مدى إمكان اعتماد شروط أكثر مرونة تسمح للبنانيين المغتربين بالمنافسة في وطنهم.
مواهب لبنانية تصنع أبطال فرنسا
لكنّ القضية تتجاوز لاعباً واحداً، لتكشف عن طاقات لبنانية شابة تبرز في الخارج. فقد أوضح بولس أنّ “فريق الشباب في النادي أحرز بطولة فرنسا عام 2025، وكان ستّة من لاعبيه الثمانية لبنانيين، أي ما نسبته 75% من الفريق”.
وأشار إلى أنّ معظم اللاعبين اللبنانيين المدرجين في الإحصاءات التي قدّمها ينتمون إلى النادي الباريسي، باستثناء لاعب واحد، مؤكّداً أنّ “هذه الأرقام لا تعكس مستوى اللاعبين فحسب، بل خصوصاً صغر سنّ الكفاءات اللبنانية في الخارج”.
فبحسب الجداول، يبلغ متوسّط أعمار مجموعة من اللاعبين اللبنانيين المغتربين 20 عاماً فقط، مقابل 38 عاماً لمجموعة مقارنة من اللاعبين المقيمين في لبنان، أي بفارق 18 عاماً. ورغم صغر سنّهم، يتقدّم المغتربون في معدّلات التصنيف في الشطرنج الكلاسيكي والسريع والخاطف، إذ يبلغ متوسّط تصنيفهم في الشطرنج السريع 2222 نقطة مقابل 2177 نقطة للمقيمين.
ورغم أنّ هذه الإحصاءات تشمل مجموعتين محدّدتين ولا تمثّل جميع اللاعبين اللبنانيّين، فإنّها تُظهر وجود جيل شاب من المواهب في الاغتراب، يمتلك تصنيفات تنافسية متقدّمة.
وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ أحرز لاعبان لبنانيان لقب بطولة فرنسا للفئات العمرية، أحدهما في فئة دون 8 سنوات عام 2019، والآخر في فئة دون 12 سنة عام 2024، رغم أنّهما كانا مسجّلين لدى الاتحاد الدولي للشطرنج تحت الرمز اللبناني (LBN)، وليس الفرنسي.
وبمعنى آخر، تمكّن اللاعبان من تحقيق ألقاب وطنية في فرنسا مع احتفاظهما بانتسابهما الرياضي إلى لبنان، في حين يواجه لاعبون لبنانيّون مسجّلون تحت الرمز الفرنسي صعوبات في المشاركة في بطولات وطنهم الأمّ.
المشكلة تتجاوز الرمز الرياضي…
ولفت بولس إلى أنّ “المشكلة لا تقتصر على اللبنانيين المسجّلين تحت رموز اتحادات أجنبية، بل تطال أيضاً لاعبين لبنانيين يقيمون في الخارج ويحملون الرمز اللبناني (LBN)، لكنّهم يواجهون عراقيل عند اختيار اللاعبين لتمثيل لبنان في البطولات الدولية”، مشيراً إلى أنّ هذه القيود لا يواجهها، وفق معلوماته، اللبنانيّون في الاتحادات الرياضية اللبنانية الأخرى.
وكشف أنّه “خلال عملية اختيار المنتخب اللبناني لأولمبياد الشطرنج 2026، جرى ضمّ أحد اللاعبين اللبنانيّين الشباب المقيمين في فرنسا”، بعد ما وصفه بضغوط سياسية وإدارية، مع وعود بأن تشمل الاختيارات المقبلة لاعبين لبنانيين مغتربين مسجّلين تحت الرمز اللبناني. إلّا أنّه يؤكّد أنّه لم يجرِ التواصل مع اللاعبين المغتربين للمشاركة في بطولة الدول الآسيوية في دبي.
وهنا تتّسع الإشكالية، فاللاعب اللبناني المسجّل تحت رمز أجنبي قد يُستبعد من بطولة وطنية بسبب انتسابه الرياضي، فيما قد يواجه اللاعب المسجّل تحت الرمز اللبناني صعوبات في تمثيل بلده بسبب إقامته في الخارج. فهل أصبحت إقامة اللبناني خارج وطنه عائقاً أمام مشاركته الرياضية، حتى عندما يختار الاستمرار في اللعب تحت العلم اللبناني؟
مطالبات وصلت إلى وزارة الشباب والرياضة عبر السفارة اللبنانيّة
ولم تتوقّف الاعتراضات عند حدود الاتحاد اللبناني للشطرنج، بل وصلت إلى وزارة الشباب والرياضة، بعدما تواصل المعنيّون بالقضية مع السفارة اللبنانية في باريس، التي طلبت منهم، بحسب بولس، توجيه كتاب رسمي إلى الوزيرة نورا بيرقداريان للمطالبة بإنصاف لاعبين لبنانيين مغتربين وإتاحة الفرصة أمامهما للمشاركة في عملية اختيار المنتخب الوطني لأولمبياد الشطرنج 2026.
وأوضح بولس أنّ “التواصل مع السفارة اللبنانية ساهم أيضاً في فتح قناة اتصال مع لجنة الشباب والرياضة النيابية، في مسعى لإيصال القضية إلى الجهات الرسمية المعنية ومتابعة مطالب اللاعبين”.
واللافت أنّ أحد اللاعبين المعنيّين يبلغ 15 عاماً فقط، ويحمل لقب أستاذ اتحادي (FM) بتصنيف دولي يبلغ 2305 نقاط، وقد أحرز المركز الثاني في بطولة العرب للفئات العمرية عام 2024. أمّا الثاني، فيبلغ 22 عاماً، ويحمل لقب أستاذ مرشّح (CM) بتصنيف 2210 نقاط، وسبق أن مثّل لبنان في ثلاث بطولات عالمية للفئات العمرية وأحرز المركز الثالث عربياً.
ورغم إقامتهما في فرنسا، حافظ اللاعبان على انتسابهما الرياضي للبنان ومثّلاه في المحافل الدولية، ما يطرح تساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار المنتخبات الوطنية ومدى ضمان تكافؤ الفرص أمام جميع اللاعبين اللبنانيين، بغضّ النظر عن مكان إقامتهم.
نداء إلى رئيس الجمهورية
وفي هذا الإطار، يتوجّه المعنيّون بالقضية بنداء إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي يولي ملفات الشباب والرياضة والاغتراب اللبناني اهتماماً خاصاً، لمتابعة هذا الملف والعمل مع الجهات المختصّة على ضمان تكافؤ الفرص أمام الكفاءات اللبنانية في الداخل والخارج.
فلبنان الذي يفتخر بإنجازات أبنائه المنتشرين حول العالم، يحتاج إلى آليات واضحة وعادلة تتيح لهم المنافسة على تمثيله في المحافل الدولية، بعيداً عن أي عوائق لا ترتبط بالكفاءة والاستحقاق الرياضي.
هل يخسر لبنان جيل الشطرنج الجديد؟
في بلدٍ يخسر طاقاته الشابة بفعل الهجرة، تطرح قضية الشطرنج سؤالاً يتجاوز حدود اللعبة: كيف يستطيع لبنان الاستفادة من كفاءاته المنتشرة حول العالم إذا كانت شروط المشاركة والاختيار قد تتحوّل إلى عائق أمامها؟
فالمطلوب ليس منح المغتربين امتيازات على حساب المُقيمين، بل ضمان تكافؤ الفرص ليُمثّل لبنانَ اللاعبون الأكثر استحقاقاً، أينما كانوا. فكيف يساهم شباب لبنانيّون في صناعة أبطال فرنسا، فيما يواجه بعضهم صعوبات في تمثيل وطنهم؟ وهل يُقاس الانتماء بمكان الإقامة ورمز الاتحاد، أم بالكفاءة والإنجاز والرّغبة في رفع العلم اللبناني؟




