أخبار محلية

“التريشينيلا” تقلق اللبنانيين.. كيف وصلت إلى اللحوم؟

أعاد تسجيل إصابات بداء التريشينيلا (Trichinella) في لبنان الأسبوع الماضي ملف سلامة الغذاء والرقابة على اللحوم إلى الواجهة، بعدما أُصيب عدد من الأشخاص بهذه الطفيليات، ما أدى إلى إقفال مطعم في بيروت ومستودع للحوم كان يزوّده.

يأتي هذا وسط تحرك للسلطات المعنية التي أخذت القضية على محمل الجد، فيما لا تزال التحقيقات والفحوص المخبرية جارية لتحديد مصدر الإصابات ومسار توزيع اللحوم المشتبه في تلوثها.

وأثارت الحادثة قلقا لدى اللبنانيين، خصوصا في ظل انتشار أطباق تقليدية تعتمد على اللحوم النيئة، مثل الكبة النيئة، وطرحت تساؤلات بشأن كيفية وصول لحوم يُشتبه في تلوثها إلى المستهلكين، ومدى فعالية الرقابة على مصادر اللحوم وتخزينها ونقلها وبيعها.

فالإصابات التي تسببت فيها احدى المطاعم الأسبوع الماضي أدت إلى إقفال المطعم ومستودع للحوم في بيروت.. فيما التحقيقات مستمرة وتحذيرات من مخاطر اللحوم النيئة ومطالب بتشديد الرقابة على الأسواق.

وفي وقت تنتظر فيه الأوساط الصحية نتائج التحقيقات، يحذّر مختصون من مخاطر تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيدا، ويدعون إلى تعزيز الرقابة البيطرية.

وفي حديث لموقع “سكاي نيوز عربية” أكد مصدر في وزارة الصحة العامة استمرار التحقيقات الوبائية والفحوص المخبرية لتحديد مصدر الإصابات، وتتبع شبكة توزيع المستودع الذي أُقفل، والتحقق مما إذا كانت مطاعم أخرى قد اشترت منه، في إطار الإجراءات الهادفة إلى الحد من انتشار الإصابات وحماية الصحة العامة.

ما هو داء التريشينيلا؟

يوضح طبيب العائلة والصحة العامة علي التنير، في حديث لموقع “سكاي نيوز عربية” أن “داء التريشينيلا، المعروف أيضا بداء الشعرينات أو المشعرينات، ينتج عن طفيليات تنتقل إلى الإنسان عند تناول لحوم مصابة نيئة أو غير مطهوة جيدا، ولا سيما لحم الخنزير والخنزير البري وبعض الحيوانات الأخرى”.

ويتابع “بعد دخول الطفيليات إلى الجسم، تبدأ الإصابة في الجهاز الهضمي، قبل أن تنتقل اليرقات عبر الدورة الدموية إلى الأنسجة العضلية، حيث تستقر وقد تسبب أعراضا متفاوتة الشدة، بحسب كمية الطفيليات التي جرى تناولها”.

ويقول التنير ” تبدأ الأعراض بآلام البطن والغثيان والإسهال والتقيؤ، ثم تظهر الحمى وآلام العضلات والصداع والتورم حول العينين والإرهاق. وفي الحالات الشديدة، قد تحصل مضاعفات تطال القلب أو الجهاز العصبي، ما يجعل التشخيص المبكر والعلاج المناسب ضروريين”.

ويعتمد التشخيص وفق الطبيب على “الأعراض والتاريخ الغذائي والفحوص المخبرية، وقد تشمل التحاليل فحص الدم للكشف عن ارتفاع الحمضات، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء. أما العلاج، فيحدده الطبيب وفق توقيت الإصابة وشدتها، وقد يشمل أدوية مضادة للطفيليات تحت إشراف طبي”.

ويشدد التنير على أن “الوقاية تبدأ بتجنب تناول اللحوم النيئة أو غير المطهوة جيدا، وشراء اللحوم من مصادر موثوقة وخاضعة للرقابة، وطهيها بالكامل. كما يحذر من الاعتقاد بأن التمليح أو التدخين أو التجفيف يقضي بالضرورة على الطفيليات، إذ لا تضمن هذه الوسائل وحدها سلامة اللحوم”.

ويضيف أن “منع التلوث التبادلي يتطلب تنظيف السكاكين وأدوات التقطيع والأسطح المستخدمة في تحضير اللحوم النيئة وتعقيمها قبل استخدامها مع أطعمة أخرى، فضلا عن تجنب تذوق اللحوم النيئة أثناء التحضير”.

ويوضح: “في حال ظهور الحمى أو آلام العضلات أو التورم حول العينين بعد تناول اللحوم، ينصح بمراجعة الطبيب سريعا، ولا سيما إذا ظهرت الأعراض لدى أكثر من شخص تناولوا الوجبة نفسها، مع إبلاغ الجهات الصحية بمعلومات عن الوجبة ومصدر اللحوم.”

وعلى مستوى المسؤولية الرسمية، يؤكد التنير أن “الوقاية لا تقع على عاتق المستهلك وحده، بل تبدأ من الدولة والوزارات والجهات الرقابية والبيطرية، وفي مقدمتها وزارة الزراعة والمصالح البيطرية، عبر مراقبة مزارع الحيوانات والمسالخ وأماكن الذبح، وإجراء الفحوص اللازمة، ومنع تسويق اللحوم المصابة وإتلافها وفق الأصول”.

ويشرح” تشمل الإجراءات المطلوبة مكافحة القوارض التي قد تسهم في استمرار دورة حياة الطفيليات، ومنع إطعام الحيوانات بلحوم نيئة غير معالجة، ومراقبة لحوم الحيوانات البرية، وخصوصاً الخنازير البرية، فضلا عن تشديد الرقابة على شروط النقل والتخزين والتوزيع”.

ويشدد على “أن التنسيق بين الوزارات والبلديات والمختبرات والجهات البيطرية والرقابية ضرورة أساسية، لأن أي خلل في إحدى حلقات سلسلة الغذاء قد يعرض صحة المستهلكين للخطر”.

من جهته، قال أمين سر نقابة تجار المواشي ماجد عيد، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية “من أبرز مصادر انتقال التريشينيلا لحوم الحيوانات المصابة، ولا سيما الخنازير.”

ويرى عيد أن “التحقيق في الإصابات الأخيرة يجب أن يحدد ما إذا كان ما حصل مرتبطاً بخلط أنواع مختلفة من اللحوم، أو باستخدام أدوات تقطيع ملوثة، مشدداً على ضرورة انتظار نتائج التحقيقات وعدم الجزم بمصدر التلوث قبل صدور المعطيات الرسمية.”

وحذّر من “ممارسات غش يقول إنها مستمرة منذ سنوات في قطاع اللحوم، في البااد بينها خلط اللحوم الطازجة بالمثلجة أو المبردة وبيعها للمستهلك على أنها طازجة، معتبراً أن هذه الممارسات تحرم المواطنين من معرفة طبيعة اللحوم التي يشترونها ومصدرها الحقيقي.”

وأشار إلى أن “لبنان يستورد لحوماً مثلجة ومبردة من دول عدة، بينها الهند والبرازيل وكولومبيا وأستراليا، لافتا إلى أن التحدي لا يقتصر على فحص الشحنات عند وصولها إلى المرافئ، بل يشمل أيضا مراقبة وجهتها بعد الإفراج عنها، وكيفية تخزينها ونقلها وتوزيعها وبيعها.”

وأضاف أن “تفاوت أسعار اللحوم بين نقاط البيع قد يستدعي مزيداً من التدقيق في مصادر المنتجات وطبيعتها، داعياً إلى إلزام المحال بالإفصاح بوضوح عن نوع اللحوم وبلد المنشأ وتواريخ الإنتاج والصلاحية، بما يتيح للمستهلك التمييز بين اللحوم الطازجة والمثلجة أو المبردة.”

وفي ما يتعلق بالرقابة، أشار عيد إلى أن “اللحوم الطازجة المستوردة تخضع لإجراءات وفحوص بيطرية، كما تخضع اللحوم المثلجة والمبردة المستوردة للفحوص عند وصولها، لكنه شدد على أهمية متابعة مسارها بعد ذلك، والتأكد من التزام نقاط البيع بمتطلبات التخزين والإعلان عن طبيعة المنتجات.”

وانتقد “ما وصفه بعدم كفاية العقوبات الرادعة في مواجهة المخالفات، “داعيا إلى “تحديث قوانين حماية المستهلك وتشديد العقوبات، وصولاً إلى الإقفال النهائي للمؤسسات التي يثبت تورطها في ممارسات تهدد سلامة الغذاء، وفقاً للقوانين والأصول القضائية.”

كما طرح “ضرورة اعتماد نظام لتتبع اللحوم المستوردة، يتيح معرفة الجهات التي تسلمت الشحنات وأماكن تخزينها وتوزيعها، وصولاً إلى نقاط البيع، “معتبراً أن “هذا الإجراء من شأنه تعزيز الشفافية وتسهيل تحديد المسؤوليات عند اكتشاف أي مخالفة.”

تجنبوا اللحوم النيئة

بدوره، حذّر رئيس لجنة الصحة النيابية السابق الدكتور عاصم عراجي، في حديث لموقع سكاي نيوز عربية “من مخاطر تناول اللحوم النيئة في ظل الإصابات المسجلة والتحقيقات الجارية، مشددا على أهمية التزام المواطنين بإجراءات الوقاية إلى حين اتضاح ملابسات القضية.

ويشرح عراجي أن اليرقات تدخل إلى الأمعاء الدقيقة بعد تناول اللحوم الملوثة، حيث تنمو وتتكاثر، قبل أن تنتقل عبر الدم إلى أنسجة الجسم وتستقر في العضلات، مسببة آلاما وأعراضا قد تتفاوت حدتها بحسب كمية اليرقات التي يتناولها الشخص.”

وأوضح أن “الأعراض قد تبدأ خلال الأيام الأولى باضطرابات في الجهاز الهضمي، تشمل الإسهال وآلام البطن والتقيؤ والإرهاق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |