Featuredأخبار محلية

الصحافيّون أهداف مكشوفة ومشروعة في مرمى نيران العدو

لم يعد الصحافي في الميدان مجرد ناقل للخبر، بل أصبح هدفا مشروعا يلاحق ويصنف ويقتل، ليس لأنه في المكان الخطأ، بل لأنه في المكان الصحيح يوثق وينقل الحقيقة. حقيقة عدو لا يعترف بالقانون، ولا يلتزم بالمواثيق ، يضرب بعرض الحائط كل القيم الإنسانية، ويحول الإعلاميين إلى أهداف مكشوفة لإسكات الشهود، قبل أن تصل الحقيقة إلى العالم.

فالصحافي لا يحتاج إلى أكثر من كاميرا ليدرج على لائحة الاستهداف، حيث تظهر الوقائع نمطا مقلقا من الهجمات. فرق صحفية مستهدفة بمعدات واضحة، قصف مواقع إعلامية أو أماكن إقامة الصحافيين، تكرار الضربات في نفس الموقع وإصابة إعلاميين أثناء البث المباشر، هذا نمط اعتبرته جهات حقوقية أنه يقترب من سياسة ترهيب ممنهجة، لإسكات التغطية الإعلامية ومنع نقل الحقيقة.

حصيلة دموية

وتشير تقارير دولية بينها “هيومن رايتس ووتش” و”لجنة حماية الصحافيين” إلى “مقتل ما لا يقل عن 6 صحافيين لبنانيين بين 2023 و2024، فيما أصيب 7 آخرون على الأقل، في هجمات مباشرة . وقد وصفت بعض الضربات بأنها “جريمة حرب محتملة”.

بدورها، وثقت “لجنة حماية الصحافيين” مقتل 129 إعلاميا خلال 2025 حول العالم، ثلثاهم على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، في أعلى حصيلة سنوية منذ بدء التوثيق عام 1992.

ووفق التقرير الصادر في نيويورك، تتحمل “إسرائيل” وحدها مسؤولية أكثر من ثلثي إجمالي الضحايا، بعدما نفذت قواتها عددا غير مسبوق من عمليات القتل المستهدف للصحافيين، يفوق ما ارتكبته أي قوة عسكرية حكومية أخرى على الإطلاق.

وفي لبنان، قتلت “إسرائيل” ما لا يقل عن 13 صحافيا وعاملا في الإعلام ، وأُصيب العشرات مع خسائر جسدية ومادية جسيمة، وفق منظمة “صحفيات بلا قيود”.

اسماء في الذاكرة لا تموت

لا تعكس هذه الأرقام حجم الخطر فحسب، بل تكشف نمطا متكررا من الاستهداف، يتجسد في سلسلة من الأسماء التي ارتقت في الميدان، من بينهم المصور الصحافي عصام عبد الله الذي قتل في 13 تشرين الاول 2023 خلال تغطية ميدانية في جنوب لبنان، وأُصيب معه عدد من الصحافيين بينهم كريستينا عاصي وديلان كولينز، في حادثة أكدت تحقيقات دولية أنها كانت استهدافا مباشرا ومتعمدا، إضافة إلى مقتل الصحافيين فرح عمر وربيع المعماري في 21 تشرين الثاني 2023 أثناء تغطية ميدانية، وارتقاء حسين عقيل في الغارة نفسها ، وصولا إلى استشهاد غسان نجار ومحمد رضا ووسام قاسم في غارة استهدفت مقر إقامة صحافيين في حاصبيا عام 2024 ،حيث أكدت شهادات ميدانية أن الضربة أصابت الموقع بشكل مباشر أثناء وجودهم داخله.

وشن العدو الإسرائيلي غارة منذ يومين على الشاليهات نفسها التي استشهد فيها الاعلاميين العام الماضي، كما تعرض مراسل قناة “روسيا اليوم” ستيف سويني والمصور علي رضا لإصابات، جراء غارة استهدفت جسر القاسمية في الجنوب، إضافة إلى عملية الاغتيال بحق الإعلامي علي نور الدين والمصور الصحافي حسين حمود ومدير البرامج السياسية في قناة “المنار” محمد شري.

هذه الأسماء ليست سوى جزء من مشهد أوسع، يعكس حجم المخاطر التي يواجهها الإعلاميون في الميدان.

الصمت الدولي شريك بالجريمة

ورغم تعدد التحقيقات الدولية، لم تسجل أي محاسبة فعلية للمسؤولين، وتستمر الحوادث في التكرار بنفس النمط، وغالبا ما تبرر الضربات بأنها “أخطاء” أو “سوء تقدير”، ما يعزز الفرضية بوجود إفلات منهجي من العقاب، ويحول الصمت الدولي إلى شراكة غير معلنة في الجريمة.

في هذا السياق، أكد الباحث في “هيومن رايتس ووتش” لبنان رمزي قيس أنه “لأكثر من عامين ، أغفلت “إسرائيل” وحلفاؤها والدول الأوروبية، التي تدعي الالتزام بحقوق الإنسان، ما يحدث، ودفنوا رؤوسهم في الرمال، بينما تستمر الفظائع في لبنان وغزة. هذه الانتهاكات تزدهر بفعل الإفلات من العقاب، ولا يجوز أن تظل الدول الأخرى مكتوفة الأيدي أمام استمرارها”.

استهداف الصحافيين لا يقتل أفرادا فحسب، بل يقضي على التوثيق ويمنع المساءلة، ليصبح قتلهم جزءا من حرب أوسع على الحقيقة نفسها. ويبقى السؤال كم صحافيا يجب أن يستشهد قبل أن يتحرك العالم لحماية من ينقلون الحقيقة؟ وهل سيتحرك المجتمع الدولي لحماية الصحافيين؟ أم تترك جرائم القتل بلا تحقيق ولا محاسبة ولا حتى إدانة حاسمة، ويواجه شهود الحقيقة مصيرهم وحدهم؟

ربى أبو فاضل – الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى