Featuredأخبار محلية

موجة غلاء أسعار قادمة… بلا ضوابط!

زينب بزي – الاخبار

في خضمّ التصعيد الإقليمي، بدأت ملامح موجة ارتفاع جديدة تتشكّل في الأسواق اللبنانية، لكن هذه المرّة بدوافع أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع أسعار المحروقات. فهناك تأكيدات رسمية وغير رسمية تفيد بأنّ أسعار عدد من السلع ستشهد زيادات تُراوِح بين 10% و15%، وستلامس في بعض المُنتجات الغذائية حدود 20%، في وقت تتسارع فيه كلفة الشحن بشكل لافت.

فالغموض المرتبط بتقلّب الأوضاع الأمنية، يجعل التسعير نفسه عملية غير مستقرّة تتبدّل من شحنة إلى أخرى، أي إن صدمة الأسعار المحلية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع المحروقات، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً ترتبط بتشابك عوامل خارجية وداخلية في آنٍ واحد. وهذا المشهد المركّب بدأ ينعكس تدريجياً على السوق اللبنانية وجيوب المستهلكين.

في قلب هذه المعادلة، تتكشّف الصورة بشكل أوضح لدى الصناعيين الذين يجمعون بين الإنتاج والاستيراد في آنٍ واحد، إذ يشير كل من رئيس نقابة الصناعات الغذائية منير البساط، والشريك في المعمل المُنتِج لعلامة «يمامة» الغذائية عدنان عطايا، إلى أنّ الضغوط لا تأتي من عامل واحد، بل من تراكم عناصر متداخلة تضرب كامل دورة العمل.

فعلى صعيد الإنتاج، يوضح بساط أنّ كلفة التصنيع ارتفعت بشكل مباشر نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات التي تدخل في كلفة تشغيل المصنع والنقل والطاقة البديلة. ويشير إلى أن بعض القطاعات تعتمد بنحو 20% إلى 30% من كلفة إنتاجها على المحروقات، ما ينعكس حكماً على الأسعار. كما طاولت الزيادات موادَّ أساسية مثل التغليف بشكل لافت.

في المقابل، يلفت عطايا إلى أنّ تأثير المحروقات يختلف من صناعة إلى أخرى، مشيراً إلى أنّ نسبة اعتماد بعض المصانع عليها لا تتجاوز بين 3% و5%، فيما ترتفع لدى مصانع أخرى، ما يعني أنّه لا يجوز جعل ارتفاع أسعار المحروقات «قميص عثمان» لتبرير زيادة كبيرة على أسعار السلع. ويؤكد أنّ لدى عدد من المصانع مخزوناً يكفي لعدة أشهر، ما يتيح هامشاً للتخفيف من وطأة الزيادات.

إضافة إلى ذلك، يواجه الاستيراد تحدّيات عالية المخاطر، إذ يشير عطايا إلى أن عدّة حاويات مستوردة لصالح معمله، والتي تمر عبر ميناء جبل علي، بات مصيرها غير واضح، حيث يصل عددها إلى نحو 20 حاوية مُحمّلة بمواد أولية، من بينها الزجاج ومستلزمات إنتاج أساسية.
بدوره، يشير بساط إلى أنّ كلفة الشحن والتأمين لا تزال حتى الآن غير مستقرة، وترتبط بشكل مباشر بالتطورات السياسية، حيث ترتفع وتنخفض وفق التصريحات والمخاطر.

على مستوى السوق المحلية، تبدو الصورة هشّة، إذ يشير صاحب سوبرماركات «العاملية» يوسف حمود إلى أنّ حركة الاستيراد لا تزال منتظمة، لافتاً إلى أن المرفأ مفتوح والبضائع تصل من دون تأخير أو تباطؤ يُذكر، ما ينعكس نوعاً من الاستقرار الظاهري في توفّر السلع. ويؤكد أنّ السوق اللبنانية لا تعاني حالياً من نقص في المواد الغذائية، مشيراً إلى أنّ المخزون المتوافر يكفي لما لا يقلّ عن أربعة أشهر، وهو ما يخفّف من أي خطر انقطاع في المرحلة الراهنة. إلا أن هذا الاستقرار لا يعني ثبات الأسعار.

فبحسب حمود، بدأت الزيادات تظهر تدريجياً، حيث سجّلت بعض السلع ارتفاعات تُراوِح بين 10 و15%، فيما أبلغته بعض المصانع بزيادات مباشرة، وصلت في بعض المُنتجات، خصوصاً المعلبات، إلى 12%، ولامست 20% في سلع محدّدة مثل«المرتديلا». ويشرح أن أي بضاعة جديدة يتم شراؤها ستُطرح حتماً بأسعار أعلى، مع حدّ أدنى للزيادة يقارب 10%. وفي المقابل، يلفت إلى أن جزءاً من هذه الزيادات لا يخضع دائماً لمعايير واضحة، مشيراً إلى أنّ بعض المورّدين يرفعون الأسعار من دون ضوابط محدّدة، مستفيدين من حالة الغموض السائدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى ارتباط هذه الزيادات بالكلفة الفعلية، أو بغياب الرقابة في السوق.

في الخلاصة، لن تكون موجة ارتفاع الأسعار الجديدة مضبوطة، في ظلّ تداخل عوامل الإنتاج والاستيراد معاً. فارتفاع كلفة المواد الأولية وتراجع بعض القدرات الإنتاجية، يقابلهما ضغط متزايد على الاستيراد نتيجة كلفة الشحن، والتأمين والمخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد، كل ذلك سينعكس تلقائياً على الأسعار في السوق المحلية. هذه العوامل تشكّل، إلى حدّ كبير، مبرّرات واقعية لأي ارتفاع مرتقب.

لكن، في المقابل، لا يمكن إغفال أنّ جزءاً من هذا الارتفاع يتجاوز حدود التبرير الاقتصادي، ليدخل في إطار الاستغلال والجشع، خصوصاً في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها البلد حيث يراها البعض فرصة لزيادة أرباحه. فالبعض يرفع الأسعار استباقياً أو بشكل مبالغ فيه، مستفيداً من غياب الرقابة وضعف الضبط في السوق.

وبين هذه المعادلة المُعقّدة، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يواجه ارتفاعاً متسارعاً في الأسعار دون أي توازن مع دخله أو قدرته الشرائية. وهكذا تتحوّل النتيجة إلى عبء معيشي متراكم في بلد أضحت الأعمال متوقّفة فيه، وفي ظل وجود حوالي مليون نازح، وتصبح السوق مفتوحة على مزيد من التقلّبات والانفلات، فالحجج مُقدّمة على طبق من فضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى