Featuredأخبار محلية

هكذا واجهت الدول أسعار المحروقات.. ماذا عن لبنان؟

عزة الحاج حسن – المدن

لم تضرب أزمة النفط لبنان وحده، بل طالت مختلف دول العالم، التي سارعت إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية اقتصاداتها ومواطنيها من تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات. وفي حين تبقى الدول المستوردة للنفط الأكثر تأثراً بمثل هذه الصدمات، يبرز تباين واضح في سرعة الاستجابة. فبينما تحرّكت دول عدة لاحتواء تداعيات الأزمة، لم يُسجَّل في لبنان أي تحرّك فعلي يُذكر، رغم أنه من بين الدول الأكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار الطاقة.

ومع أنّ بعض الإجراءات التي اعتمدتها دول أخرى تتطلب قدرات مالية كبيرة عير متوافرة في لبنان، إلا أن جزءاً منها يبقى قابلاً للتطبيق حتى في اقتصاد يعاني من أزمات عميقة كلبنان. فما هي أبرز الخطوات التي اتخذتها الدول لمواجهة أزمة النفط؟ وماذا فعل لبنان؟

لبنان يسبق العالم بارتفاع الأسعار

لا شك أن أسعار المحروقات في لبنان ترتبط بشكل مباشر بسعر النفط العالمي، والحال كحال كافة الدول المستوردة للنفط، ارتفعت أسعار كافة المحروقات في لبنان تزامناً مع الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز. ولكن ثمة مسألة بالغة الأهمية هنا، وهي نسبة الارتفاع.

بعيداً عن كيفية تحديد أسعار المحروقات في لبنان، وهي مسألة معقّدة وملتبسة، يمكن بكل بساطة مقارنة المعدل الوسطي لارتفاع أسعار المحروقات في العالم مع نسبة الارتفاع في لبنان، ليتبيّن بشكل واضح أن النسب التي بلغتها أسعار المحروقات في لبنان تفوق تلك العالمية بأشواط ، لاسيما سعر المازوت.

وإذا أخذنا سعر البنزين 95 أوكتان في لبنان بتاريخ 27 شباط قبل حرب إيران بليلة واحدة ولغاية اليوم 20 نيسان نلمس ارتفاعاً بقيمة 575000 ليرة من من 1815000 الى 2390000 ليرة أي بما نسبته 31.7%. كما ارتفع البنزين 98 أوكتان خلال الفترة الزمنية عينها بقيمة 573000 ليرة من 1858000 الى 2431000 ليرة أي ما نسبته حوالي 30.8%.

أما المازوت، وهنا صلب الخلل، فقد ارتفع بقيمة 1099000 ليرة للصفيحة من 1398000 ليرة إلى 2497000 ليرة أي بزيادة نسبتها 78.7%. وارتفع سعر الغاز بدوره بقيمة 350000 ليرة من 1401000 ليرة إلى 1751000 ليرة أي بنسبة 25%.

نتحدث عن ارتفاع بأكثر من 31 في المئة للبنزين وقرابة 78 في المئة للمازوت في لبنان. في حين تشير التقديرات إلى أن أسعار البنزين عالمياً ارتفعت منذ بداية الحرب على إيران بنسب متفاوتة، تتراوح بين 10 و50 في المئة بحسب الدول وطبيعة أسواقها. ويمكن وضع متوسطها التقريبي بين 20% و35%، مع تسجيل زيادات أدنى في بعض الدول المدعومة وأعلى في الأسواق الحرة التي تعتمد التسعير المباشر على النفط. أما الزيادات في عدد من الدول النامية (أي كحال لبنان) فتراوحت بين 10% و15% فقط، في حين شهد بعض الأسواق زيادات أكبر.

أما المازوت، وهي المادة التي رتّبت على اللبنانيين ضغوطاً هائلة، فقد ارتفعت أسعارها عالمياً بوتيرة أسرع من البنزين منذ بداية الحرب على إيران، حيث تراوحت الزيادات بين 25% و45% في المتوسط بحسب تقارير عالمية، أما في لبنان فلامست 78 في المئة.

هكذا حمت الدول شعوبها

ومن المُحبط مراقبة دول العالم كيف تعاملت مع أزمة المحروقات لحماية مواطنيها. فقد تراوحت الحلول بين الدعم المباشر، وتخفيف الضرائب، وتوسيع خدمات النقل العام، وصولاً إلى فرض قيود على الاستهلاك.

وفي جولة سريعة على بعض الدول نرى أن في باكستان مثلاً، تم اللجوء إلى تعزيز استخدام النقل العام المجاني، بالتوازي مع تشجيع العمل عن بُعد، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود في التنقل اليومي.

أما سلوفينيا، فقد اتجهت إلى فرض قيود على شراء البنزين لضبط الطلب ومنع الاستهلاك المفرط في فترات الأزمات. وفي أستراليا، جرى استخدام جزء من الاحتياطي الاستراتيجي للمحروقات، مع توفير خدمات نقل مجانية بشكل مؤقت لتخفيف الضغط عن المواطنين.

في المقابل مثلاً، قدّمت كوريا الجنوبية قسائم طاقة لمساعدة الأسر على تحمّل ارتفاع التكاليف، فيما اختارت بعض الدول الأوروبية نهج الدعم المالي المباشر وغير المباشر، فعملت اليونان على دعم أسعار البنزين وخفض كلفة النقل العام. كما لجأت دول مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا إلى خفض الضرائب على المحروقات وتقديم حزم دعم اقتصادية، في محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين دون التأثير الكبير على الاستقرار الاجتماعي.

ومن بين الحلول اللافتة أيضاً، توسيع منظومات النقل العام كبديل فعّال عن السيارات الخاصة، وهو حلّ أثبت فعاليته في أكثر من دولة، إذ يساهم في تخفيف الاستهلاك بشكل مباشر ويحدّ من الضغط على أسعار الوقود. كما في حالة فيتنام، التي اعتمدت وقوداً بديلاً ممزوجاً بالإيثانول، المنتج محلياً من مواد زراعية مثل الذرة وقصب السكر، ما ساهم في تقليل الكلفة وتعزيز الاستقلالية الطاقوية.

وبشكل عام، تُعدّ سياسات النقل المشترك أحد أبرز الحلول القابلة للتطبيق في مثل هذه الأزمات، إذ يمكنها تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة بشكل كبير وتخفيف العبء المالي عن المواطنين.

ماذا عن الحالة اللبنانية؟

لكن في الحالة اللبنانية، لم يتم البحث في أي من الخيارات أعلاه، كما لم يتم فتح نقاش بالأساس حول كيفية حماية المواطنين من مضاعفة عبء أسعار المحروقات. ومن المسلّم أن لا ملاءة مالية تخوّل السلطات في لبنان تغطية تكاليف دعم البنزين أو التخفيف من الضرائب والرسوم عليه. أما النقل المشترك في لبنان فيبقى خياراً محدوداً للغاية، إذ يقتصر النقل المشترك عملياً على عدد قليل من الحافلات داخل بيروت وبعض الخطوط المحدودة، من دون وجود شبكة نقل عام متكاملة وفعّالة تغطي مختلف المناطق. وهذا ما يجعل المواطنين يعتمدون بشكل شبه كامل على سياراتهم الخاصة، وبالتالي يتحملون مباشرة كلفة ارتفاع أسعار المحروقات، إلى جانب ارتفاع تعرفة النقل بشكل كبير.

وفي الوقت الذي استطاعت فيه دول عديدة التخفيف من تداعيات الأزمة عبر سياسات متنوعة، يبقى الواقع في لبنان مختلفاً، حيث تنعكس الأزمة بشكل مباشر على المواطن وحده، في ظل غياب حلول مستدامة في قطاع النقل والطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى