فوضى المواقف في طرابلس تعيد طرح السؤال: هل كان رفض مرأب التل خطأً؟

نداء الوطن – مايز عبيد
تشهد مدينة طرابلس حالة من فوضى مواقف السيارات، في الوقت نفسه يتعذّر إيجاد موقف آمن ورسميّ، حيث تحوّل الأمر إلى ظاهرة غير منظمة تؤثر بشكل مباشر على حياة السكّان والزوّار. فمع كلّ محلّ تجاريّ جديد يُفتح، يُلاحظ قيام البعض بفرض “موقف خاص” أمامه، وكأن الرصيف أو جزءًا من الطريق العام أصبح ملكًا شخصيًا، ما يضيّق بشكل كبير مساحة الوقوف المتاحة للمواطنين.
هذه الممارسات تجعل إيجاد موقف سيارة في وسط المدينة وشوارعها الأساسية مهمة شاقة، تستغرق وقتًا طويلا، خصوصًا في المناطق الحيوية والتجارية، حيث تزداد الكثافة وتقلّ المساحات المتاحة. ومع غياب تنظيم فعّال، تتحوّل الشوارع إلى مساحات غير مضبوطة تخضع لأعراف غير رسميّة بدلا من القانون.
مرأب التل:
في المقابل، يبرز سؤال أساسي: هل كان الاعتراض على إنشاء مرأب التلّ قبل أعوام في مكانه؟ وما هو دور البلدية اليوم في وضع خطة واضحة لإنشاء مواقف رسمية ومدفوعة تعود عائداتها إلى خزينتها تستخدم في تحسين البُنية التحتية للمدينة، بدل ترك الأمر لقوى الأمر الواقع؟
يشير عضو المجلس البلدي ورئيس لجنة البيئة السابق في بلدية طرابلس الدكتور جلال حلواني في حديثٍ لـ “نداء الوطن” إلى أن البلدية في السابق نجحت بفكرة تنظيم المواقف خلال الفترة التي اعتمدنا فيها نظام البارك ميتر، حيث أسهم ذلك في إرساء نوع من الانتظام، لا سيّما الشوارع الرئيسية والحيوية، مثل شارع عزمي، وطريق الميناء وغيرها، حيث انتظمت الحركة في المنطقة التجارية، وحتى في المناطق الشعبية. لقد كانت تجربة البارك ميتر ناجحة لسببين أساسيين: أولا، لأنها وفّرت موردًا ماليًا للبلدية، وثانيًا لأنها ساعدت الناس على معرفة آلية استخدام المواقف بوضوح، إذ يعلم الجميع مثلا أن نظام الوقوف المدفوع يبدأ عند الساعة التاسعة صباحًا، وبالتالي لا يبقى شخص يشغل الموقف طوال اليوم، بل يفسح المجال لغيره، بدلا من حالات حجز الأماكن أو الادّعاء بأن هذا الموقف يعود لشخص معيّن أو لمؤسسة معيّنة، وهي أمور معروفة.
ويلفت حلواني إلى أنه في كبرى مدن العالم مثل باريس، جميع المواقف تقريبًا مدفوعة، ولا وجود لمواقف مجانية بالمعنى المتعارف عليه. حتى السكان الذين يملكون منازل هناك يدفعون رسومًا مقابل مواقف سياراتهم الخاصة، أمّا في مدينة طرابلس، فمن الضروري أن تكون هناك مبادرات من القطاع الخاص لاستحداث مواقف سيارات منظمة، كما هو معمول به في بيروت. أمّا الإبقاء على الوضع الحالي، أي حالة الفوضى العارمة، فهو أمر غير مقبول. فلا توجد مواقف محدّدة بشكل واضح، ولا يزال نظام البارك ميتر غائبًا حتى الآن. إضافة إلى ذلك، يعمد أشخاص للاستيلاء على الرصيف وما يجاوره، فلا يستطيع المواطن ركن سيارته إلا بعد دفع مبالغ معينة، وهذا يُعد مخالفة واضحة للقانون.
ماذا عن مرأب التل؟
بحسب حلواني هناك آراء متعدّدة في هذا الشأن. وللأسف، تمّ تصوير مرأب التل بصورة سلبية جدًا، ما انعكس بصورة سيئة على مدينة طرابلس. كما أن المشاريع التي كانت مطروحة تبيّن لاحقًا أن معظمها لم يكن سوى كلام نظري لم يُترجم إلى خطوات عملية، والنتيجة التي نشهدها اليوم واضحة، إذ إن وسط المدينة، وتحديدًا منطقة التل، بات يعاني حالة كبيرة من الفوضى. فكيف يمكننا أن ننعش وسط المدينة ونجعله مركزًا جاذبًا للوافدين من خارج طرابلس، وللسيّاح إذا كان المشهد الذي يواجههم في التل يعكس هذا القدر من الفوضى؟ إن هذا الواقع يُفقد المدينة فرصة كبيرة، رغم أن إمكانية المعالجة لا تزال قائمة.
إذا أردنا حلّ هذه المشكلة، فلا بدّ من إنشاء مرائب مخصصة لمنطقة التل، كما هو الحال في مختلف مراكز المدن، حيث يستطيع الزائر ركن سيارته لساعة أو ساعتين أو أكثر، ثم ينزل للتجوّل في وسط المدينة.
ويشدّد حلواني على أن هناك واجبًا أولا على الجهات المعنية أن تأخذ هذا الملف بجدية، وثانيًا هناك مسؤولية على القوى الأمنية بأن تكون صارمة في التعامل معه.
ويختم حلواني :”ليس من المقبول أن نستمرّ في التعاطف مع هذا الواقع بحجة الظروف المعيشية، فيما تستمرّ الفوضى المتمثلة في انتشار من يفرضون سيطرتهم على الأرصفة ومواقف السيارات، ويستوفون الأموال من المواطنين بصورة عشوائية”.
وأخيرًا، إن موضوع تنظيم السير وتنظيم المواقف لم يعد تفصيلا إداريًا، بل هو من مقوّمات المدينة الحديثة، ومن الشروط الأساسية لأي خطة إنعاش اقتصادي أو سياحي لمدينة طرابلس.




