جنبلاط يكشف أسرار الاجتياح: بيروت كانت على شفير التدمير

فتح وليد جنبلاط، في الحلقة 7 من برنامج “شاهد على العصر”، دفاتر مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة، مستعيدًا وقائع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وخروج ياسر عرفات من لبنان، واغتيال بشير الجميل، ومتوقفًا عند ما وصفه بتلاقي المصالح السورية والإسرائيلية على تدمير منظمة التحرير الفلسطينية ولاحقًا عرفات.
وقال جنبلاط إن “المصالح المشتركة السورية والإسرائيلية اتفقت على تدمير منظمة التحرير الفلسطينية ولاحقًا ياسر عرفات”، معتبرًا أن ما جرى في تلك المرحلة لم يكن منفصلًا عن حسابات إقليمية أوسع.
وأشار إلى أن ما سُمّي “تحالف الأقليات” كان أيضًا من نتائج غزو العراق، لأن هذا الغزو أنهى، بحسب رأيه، حاجزًا قويًا في مواجهة إيران.
وأوضح جنبلاط أنه منذ مرحلة عام 1974 كان هناك تيار علوي يدفع باتجاه تقارب الأقليات، أي الموارنة والعلويين السوريين، وقد تعزز هذا التيار لاحقًا. وأضاف أن هذا المسار يفسّر، في رأيه، سبب اغتيال النظام السوري الرئيس رفيق الحريري، ضمن تسلسل أحداث هدفه إضعاف سُنة لبنان وسوريا والعراق لمصلحة هذا التحالف، الذي ضم لاحقًا بعض الشيعة، مستدركًا: “ولا أقصد نبيه بري العربي”.
وعن علاقة ياسر عرفات بالقوى اللبنانية، قال جنبلاط إن عرفات لم يقطع الصلة مع أحد، حتى مع اليمين اللبناني، مشيرًا إلى أن الحركة الوطنية لم تكن تعرف خفايا الاتصالات الداخلية التي كان يجريها عرفات، وأنه قبل خروجه من بيروت زار أمين الجميل صلاح خلف “أبو إياد”.
واعتبر أن أخطاء عرفات في بيروت كانت كثيرة، لأنه كان يقيّد الحركة السياسية للحركة الوطنية، ما جعلها تتحول إلى مجموعة حلفاء بتناقضات.
وكشف أن آخر زيارة قام بها عرفات قبل خروجه من بيروت كانت إلى منزل كمال جنبلاط، وكان حاضرًا فيها إلى جانبه كل من نبيه بري وجورج حاوي ومروان حمادة.
وقال جنبلاط إنه عندما التقى حافظ الأسد بعد خروج عرفات من بيروت، استغرب الأسد سبب خروج عرفات، مضيفًا أنه يعتقد أن الأسد كان يريد تدمير بيروت على رأس عرفات.
ورأى أن عرفات خرج من لبنان بسبب الضغط الداخلي والشعبي، لأن بيروت قاومت بقدر ما تستطيع.
واستعاد جنبلاط مشاهد من الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، لافتًا إلى أن “القنابل العنقودية كانت منتشرة حتى داخل حديقة السفارة السوفياتية في بيروت”، وأنه التقى السفير السوفياتي ألكسندر سولداتوف خلال واحدة من أعنف مراحل القصف على العاصمة.
كما أشار إلى أن انشقاق أبو موسى عن عرفات شكّل أحد أبرز مظاهر الصراع داخل منظمة التحرير الفلسطينية، معتبرًا أن قمة فاس عام 1982 أظهرت بوضوح حجم الخلاف بين ياسر عرفات والرئيس السوري حافظ الأسد.
وفي ملف اغتيال بشير الجميل، قال جنبلاط إن من قتل الجميل هو نفسه من قتل كمال جنبلاط، أي النظام السوري، وفق تعبيره.
وأضاف أنه يعتقد أن النظام السوري طلب من حبيب الشرتوني الاستقصاء حول الجميل، معتبرًا أن الحزب السوري القومي الاجتماعي كان يمتلك الإمكانية للقيام بالعملية.
وأشار إلى أن حبيب الشرتوني مسيحي ماروني وقومي سوري، وأن ما فعله أكد، بحسب جنبلاط، أن ليس جميع الموارنة في الصف نفسه.
وقال إنه لم يكن يتوقع اغتيال بشير الجميل، معتبرًا أن سوريا، باغتياله، وجّهت رسالة إلى إسرائيل مفادها: “ما زلنا هنا ونستطيع اغتيال مرشحكم”.
وأوضح أن انتخاب الجميل حصل قبل احتلال بيروت، وكانت القوات الإسرائيلية تحيط ببيروت الغربية، وبعد اغتياله جرى احتلال العاصمة.
وذكر جنبلاط أنه بقي في دمشق حتى أحداث الجبل عام 1983، مشيرًا إلى أن شمعون بيريز زاره في المختارة قبل الاجتياح، وقال له إن الجيش الإسرائيلي لن يقتحم بيروت، لكنه كان في دمشق عندما احتلت إسرائيل العاصمة.
وقال جنبلاط إن إسرائيل اقتحمت أول عاصمة عربية عام 1982 باجتياحها بيروت، مضيفًا أنها لم تمكث طويلًا آنذاك، وأن الحزب الذي بدأ بالمقاومة وقتذاك كان الحزب السوري القومي الاجتماعي.
وتطرق جنبلاط إلى الموقف العربي والإسلامي، معتبرًا أن عرفات ظن أن إسرائيل إذا احتلت المسجد الأقصى فسيقوم العالم العربي والإسلامي، متسائلًا: “هذه غزة وهذه الضفة، أين هو العالم العربي والإسلامي؟”.
وفي سياق حديثه عن 7 تشرين الأول 2023، قال جنبلاط إنه كان أول من حيّا عملية حماس، وإنه تعرّض لانتقادات بعدها، مشيرًا إلى أن السفيرة الأميركية زارته وطلبت منه سحب موقفه، لكنه رفض، قائلًا: “هم شعب فلسطيني”.
وأضاف أنه قال للسفيرة الأميركية إن الشعب الفلسطيني فاجأ إسرائيل كما فاجأها العرب في حرب تشرين عام 1973.
وختم جنبلاط بالإشارة إلى أن حزب الله يهدد إسرائيل فعليًا، معتبرًا أن المشهد الحالي “سريالي”، وأن تجربة عام 2006 لم تعلّم إسرائيل.
وتأتي مواقف جنبلاط في سياق قراءة تاريخية وسياسية لمسار بدأ من اجتياح بيروت عام 1982 وامتد إلى لحظة 7 تشرين الأول وما بعدها. فهو يربط بين تحولات منظمة التحرير، ودور سوريا، وحسابات إسرائيل، وصعود إيران، وتبدل موازين القوى في المنطقة، ليقدّم رواية تقوم على فكرة أن لبنان كان، ولا يزال، ساحة تقاطع بين مشاريع كبرى، وأن فهم الحاضر يتطلب العودة إلى تلك اللحظات المؤسسة التي غيّرت وجه المنطقة.




