لا عودة للقرى… إسرائيل تكشف خطتها الحقيقية جنوبًا

رغم مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من حديث عن وقف للعمليات العسكرية، تكشف تقديرات إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي لا ينوي تغيير قواعد عمله في جنوب لبنان في المدى المنظور، بل يواصل ترسيخ ما يسميه “الحيز الأمني” داخل الأراضي اللبنانية، مع الإبقاء على حرية التحرك العسكري ومنع عودة السكان إلى عدد من القرى الحدودية.
وبحسب تقرير للصحافي رون بن يشاي في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن حزب الله تعرض لضعف كبير منذ عملية “سهام الشمال” في خريف 2024، ثم خلال عملية “زئير الأسد”، التي كشفت، وفق التقرير، مواطن الضعف لدى الحزب ولدى داعميه في طهران.
ويشير التقرير إلى أن الحزب خسر معظم منظومات الصواريخ الثقيلة وبعيدة المدى، كما فقد منذ 8 تشرين الأول 2023 نحو 8,000 مقاتل وقائد من أصل ما يقارب 30,000 عنصر، في وقت تتزايد فيه المعارضة الداخلية له، بما في ذلك داخل البيئة الشيعية، فيما تسعى الحكومة اللبنانية إلى التوصل لتسوية مع إسرائيل تسحب منه شرعية مواصلة “حرب المقاومة”.
ويرى التقرير أن التهديد المباشر على بلدات الجليل تراجع بشكل كبير بعد تمركز الجيش الإسرائيلي في أطراف النبطية وعلى مرتفعات الشقيف وعلي الطاهر، الأمر الذي أتاح، بحسب الرواية الإسرائيلية، اكتشاف وتدمير كيلومترات من الأنفاق القتالية التي أنشأها حزب الله.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات تمكنه من تعطيل الحياة الطبيعية في شمال إسرائيل وشن حرب عصابات ضد الجيش الإسرائيلي بين الحدود وما يُعرف بـ”الخط الأصفر” داخل الأراضي اللبنانية، مستندًا إلى ما تبقى لديه من صواريخ وقذائف مضادة للدروع وطائرات مسيّرة.
ويضيف أن حزب الله لم يُهزم بشكل نهائي، وأن نزع سلاحه بالكامل يتطلب، وفق التقدير الإسرائيلي، السيطرة على معظم الأراضي اللبنانية، وهو أمر لا يمتلك الجيش الإسرائيلي حاليًا القوى البشرية أو الموارد أو الخطط اللازمة لتنفيذه.
كما يعتبر التقرير أن مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران زادت الوضع تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، لأنها حدّت من هامش حرية العمل الذي كانت تتمتع به في مختلف أنحاء لبنان.
وفي هذا السياق، يوضح التقرير أن الجيش الإسرائيلي اعتمد، بموافقة المستوى السياسي، مجموعة من المبادئ الأساسية لإدارة المرحلة المقبلة.
أول هذه المبادئ يتمثل في مواصلة الدفاع عن الجليل انطلاقًا من “الخط الأصفر” الذي جرى دفعه مجددًا نحو الشمال والغرب، بحيث يمتد اليوم من جنوب مرتفعات النبطية وصولًا إلى البحر. ويُعرف الشريط الواقع بين الحدود والخط الجديد باسم “الحيز الأمني”، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي العمل على تفكيك البنى التحتية التي يكتشفها فوق الأرض وتحتها، خصوصًا في منطقة النبطية.
ويشير التقرير إلى أن مذكرة التفاهم تتضمن مطلبًا بالانسحاب، إلا أن المستوى السياسي الإسرائيلي رفضه خلال الاتصالات مع واشنطن، كما أن إسرائيل ليست موقعة على المذكرة، وبالتالي لا تعتبر نفسها ملزمة بها رسميًا. وبحسب الجيش الإسرائيلي، فإن مسألة الانسحاب ستُناقش في إطار المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، ولا توجد حاليًا أي نية للانسحاب من الأراضي التي يسيطر عليها.
أما المبدأ الثاني فيقضي بمواصلة تنفيذ الهجمات ضد أي مصدر تهديد أو إطلاق نار، رغم التحذيرات والإنذارات الإيرانية. ويؤكد التقرير أن الجيش الإسرائيلي سيواصل استهداف الأشخاص أو مصادر النيران أو المواقع التي يعتبرها خطرًا على قواته.
ورغم تقدير التقرير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لن يسارع إلى إصدار أوامر بشن هجمات في بيروت بعد الانتقادات التي تعرض لها من ترامب، فإنه يشير إلى أن منطقة البقاع لا تزال ضمن بنك الأهداف الإسرائيلي.
ويتمثل المبدأ الثالث في مطالبة الجيش الإسرائيلي بخروج جميع عناصر حزب الله الموجودين جنوب نهر الليطاني وانتقالهم إلى شمال الخط الأصفر الجديد.
أما المبدأ الرابع فينص على منع سكان القرى الواقعة داخل “الحيز الأمني” من العودة إلى منازلهم، على أن يُعاد النظر في هذا القرار إذا تم التوصل إلى اتفاق مع الحكومة اللبنانية.
ويكشف التقرير أن الجيش الإسرائيلي شريك في المفاوضات الجارية مع لبنان، والتي تهدف، بحسب وصفه، إلى تثبيت وقف إطلاق النار ونزع سلاح حزب الله في المناطق التي يستطيع الجيش اللبناني ضمان ذلك فيها، وصولًا إلى تطبيع العلاقات. وفي هذا الإطار، يجري التحضير لإخلاء عدد محدود من المناطق وتسليمها بصورة تجريبية إلى الجيش اللبناني.
ويتمثل المبدأ الخامس في مواصلة تطبيق العقيدة الأمنية الجديدة التي تقوم على وجود قوات إسرائيلية كحاجز مادي يفصل بين التنظيمات المسلحة والمستوطنات الحدودية. ويقر التقرير بأن هذه المقاربة تمنح شعورًا أكبر بالأمان للسكان، لكنها تجعل الجنود المنتشرين في المواقع الثابتة أهدافًا محتملة لهجمات حرب العصابات والعبوات الناسفة وإطلاق النار.
ويشير التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يفتقر إلى حل فعّال لمواجهة الطائرات المسيّرة الانتحارية، خصوصًا تلك الموجهة عبر الألياف البصرية، لكنه يؤكد أن عدد الإصابات تراجع مؤخرًا نتيجة تكثيف عمليات استهداف مشغلي المسيّرات واعتماد وسائل تكنولوجية وتكتيكات ميدانية جديدة.
ويرى الكاتب أن الملف اللبناني لا يزال بعيدًا عن نهايته، وأن إسرائيل مطالبة بالتكيف مع ما يصفه بـ”وقف إطلاق النار الغريب” الذي فرضته إيران عبر ترامب.
وفي المقابل، يعتبر أن الطريق الوحيدة المتاحة أمام إسرائيل للوصول إلى تسوية مستقرة تكمن في مفاوضات سياسية جدية مع الحكومة اللبنانية، مدعومة بمساندة اقتصادية سعودية وأميركية تعزز موقع الرئيس جوزاف عون والجيش اللبناني، بما يسمح بإبعاد حزب الله عن الحدود ومنع إعادة بناء قدراته بدعم إيراني.
وعلى المستوى الداخلي، يشير التقرير إلى أن الوضع الأمني الإسرائيلي تحسن مقارنة بما كان عليه في 7 تشرين الأول، رغم أن التهديدات لم تختفِ بالكامل، بل تراجعت جغرافيًا، فيما راكم الجيش الإسرائيلي خبرات ميدانية واسعة خلال الفترة الماضية.
ويختم بالإشارة إلى أن رئيس الأركان إيال زامير أبلغ قادة الجيش بأن المؤسسة العسكرية ستبدأ خلال الأيام المقبلة العودة تدريجيًا إلى الجهوزية الطبيعية، على أن تعود القوات النظامية إلى برامج التدريب والمهام الروتينية خلال أعياد تشرين، فيما يُتوقع تسريح معظم ألوية الاحتياط، رغم استمرار الجدل حول قانون تمديد الخدمة العسكرية الذي لم يُقر بعد.
وبين طموح تثبيت الوقائع الميدانية وتعقيدات التفاهمات السياسية الجديدة، يبدو أن جنوب لبنان سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، وأن مسار المفاوضات قد يكون العامل الحاسم في رسم شكل المواجهة أو التسوية.




