جمود يكتنف مرحلة ما بعد اليونيفيل… والتفاوض يربك المسار

مع اقتراب موعد انتهاء مهامها، بدأ العدّ العكسي لوجود قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). ويتخوف لبنان من غياب قوة فاصلة على حدوده مع إسرائيل، فيما تبادر فرنسا، عرّابة “اليونيفيل” وصاحبة أكبر مساهمة في عديدها، إلى طرح مقترحات، سواء بصورة منفردة أو بالتعاون مع دول أوروبية أخرى، في حين تلتزم الولايات المتحدة الصمت.
وتنهي اليونيفيل وجودها في ظل ظروف معقدة يشهدها الجنوب، مع استمرار احتلال إسرائيل أجزاءً من الأراضي اللبنانية، وفرض ما يُعرف بـِ “الخط الأصفر” كحدود أمنية بالنار.
ويأتي ذلك أيضًا في ظل مسار تفاوض مباشر بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب متغيرات إقليمية ودولية، ليس أقلها الاتفاق الأميركي الإيراني وما يندرج في إطاره من تفاهمات.
فرنسا تتقدم المبادرين
وفي محاولة لإعادة تثبيت حضورها في المعادلة، وبعدما استُبعدت من لجنة منع الاحتكاك، كانت فرنسا، عبر رئيسها إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، الطرفين الوحيدين اللذين كسرا الجمود الذي يحيط بهذا الملف، إذ أعلنا استعدادهما لتشكيل “ائتلاف متعدد الجنسيات” لمرحلة ما بعد انتهاء تفويض اليونيفيل في كانون الأول المقبل، بهدف منع حدوث فراغ أمني قد يهدد الاستقرار في جنوب لبنان.
عندما صدر القرار رقم 2790 عن مجلس الأمن في 22 آب 2025، الذي مدّد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2027، طُلب من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مجموعة من الخيارات المناسبة لمرحلة ما بعد مغادرة قوات حفظ السلام، بما يضمن استكمال تنفيذ القرار 1701، الذي يُعد من أهم القرارات في تاريخ لبنان الحديث، لارتباطه باتفاقية الهدنة لعام 1949، التي تؤكد ترسيم الحدود اللبنانية وتمنع إسرائيل من فرض أطماعها. ومن هذا المنطلق، اكتسب وجود اليونيفيل أهميته باعتبارها الضامن لتنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته. ومنذ الثاني من آذار، تركزت الجهود الدبلوماسية على ضمان استمرار وجود هذه القوة.
متغيرات ما بعد حرب الاسناد
وقبل اندلاع حرب الإسناد الثانية، كانت اليونيفيل تؤدي دورها الأمني في رصد الانتهاكات على الحدود مع إسرائيل، إلا أن الحرب الأخيرة غيّرت قواعد اللعبة، فأضعفت الدولة اللبنانية، في مقابل عودة الحضور العسكري لحزب الله بقوة في الجنوب، ما أظهر الدولة عاجزة عن تنفيذ القرار 1701. ومن شأن ذلك أن ينعكس على أداء الدبلوماسية اللبنانية في الخارج، في ظل ضوء أخضر أميركي لإسرائيل لمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان.
وفي حزيران الماضي، قدّم الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن ثلاثة خيارات بشأن البديل لـِ “اليونيفيل”، تندرج جميعها ضمن السياق نفسه، مع اختلاف في عدد القوات المقترحة، إذ تراوحت الأعداد بين خمسة آلاف وثلاثة آلاف عنصر، أو أقل من ذلك. وما يهم لبنان هو الإبقاء على أكبر حضور أممي ممكن في الجنوب.
وقد أبلغ لبنان الدول المعنية ومكتب الأمين العام للأمم المتحدة برغبته في نشر قوة بديلة متعددة الجنسيات، انطلاقًا من أن القرار 2790 صدر في آب عندما كانت الظروف مختلفة؛ إذ لم تكن إسرائيل قد احتلت بعد مساحات إضافية من جنوب لبنان، ولم تكن قد فرضت سيطرتها على ما يسمى “الخط الأصفر”، كما أن مسار المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل لم يكن قد انطلق بعد، إلى جانب المسارات الموازية في إسلام آباد والدوحة.
وتحرص أوروبا على استقرار لبنان خشية تدهور أوضاعه الداخلية، بما يؤدي إلى الفوضى وعدم الاستقرار، وبالتالي زيادة موجات الهجرة نحو القارة الأوروبية. كما أن هناك ارتباطًا تاريخيًا وسياسيًا وعاطفيًا بين لبنان وأوروبا، التي تنظر إلى دعمه أيضًا من زاوية احترام الشرعية والقانون الدولي. وقد أبدت ثلاث دول، هي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، رغبتها في الإبقاء على قواتها في جنوب لبنان ضمن أي صيغة بديلة.
إلا أن ما لم يُحسم بعد هو أن الدولة اللبنانية لم تتبنَّ حتى الآن فكرة وجود قوة دولية خارج المظلة الأممية، إذ يشترط أي طرح من هذا النوع الحصول على غطاء من الأمم المتحدة أو صدور قرار جديد عن مجلس الأمن.
وفي المقابل، طرح الاتحاد الأوروبي تمويل هذه القوة، عبر تخصيص مبلغ يناهز 100 مليون يورو ضمن برامج التدريب وبناء القدرات، كما يدرس دعم قوى الأمن الداخلي لتعزيز قدرتها على القيام بالمهام الأمنية المطلوبة.
ماذا عن البدائل المطروحة اليوم؟
تعددت المسارات المتعلقة بالقوة التي ستخلف اليونيفيل في جنوب لبنان.
وتكشف مصادر دبلوماسية أن البحث في البدائل عن قوات حفظ السلام في جنوب لبنان قد جُمّد في المرحلة الراهنة، لأن الهدف الأساسي من وجود هذه القوات هو حفظ الهدوء والفصل بين لبنان وإسرائيل، باعتبارهما دولتين لا تربطهما علاقات أو قنوات تنسيق مباشرة. غير أن الواقع تغيّر، وفق التقييم الأممي، مع انتقال الطرفين إلى طاولة مفاوضات مباشرة في واشنطن، الأمر الذي كان يطرح تساؤلات حول جدوى التسرع في إقرار بديل قبل اتضاح نتائج هذه المفاوضات. فطالما تم التوصل إلى اتفاق بين الدولتين، وفي حال التزم به كل من حزب الله وإسرائيل، فما الحاجة عندها إلى قوات فصل على الحدود؟
وتذهب وجهة نظر أخرى إلى أن أي قرار يصدر عن مجلس الأمن يحتاج عمليًا إلى عدم اعتراض أي من الدول دائمة العضوية. وبما أن الولايات المتحدة هي الراعي الأساسي للمفاوضات الجارية في واشنطن، فمن المحتمل أن تعارض أي صيغة أوروبية بديلة، مفضلة أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في مستقبل القرار 1701، الذي ينظم العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل في ظل حالة العداء القائمة. وإذا أفضت المفاوضات إلى اتفاق جديد، فقد تنتفي الحاجة إلى الإطار الذي وفره القرار طوال السنوات الماضية.
لذلك، ترى مصادر أممية أن البحث في البديل لـ”اليونيفيل” مؤجل حاليًا، بانتظار اتضاح نتائج المسارات التفاوضية في إسلام آباد وسويسرا وواشنطن، ولا سيما بعد الإعلان عن «خلية منع الاحتكاك»، التي يُنظر إليها بوصفها آلية جديدة تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان، فيما تبقى الثغرة الأساسية فيها غياب إسرائيل، ما يطرح تساؤلات حول كيفية التعاطي معها، وطبيعة دورها، وحدود صلاحياتها، وما إذا كانت إسرائيل ستوافق عليها.
واشنطن وتبلور الصور
وبات واضحًا اليوم أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا على الموجة نفسها في هذا الملف، لذلك تمنح واشنطن مزيدًا من الوقت لحسم موضوع البديل لليونيفيل، ريثما تتبلور صورة الآلية الجديدة وكيفية عملها.
أما الدوحة، فقد لعبت دورًا أساسيًا في تثبيت وقف إطلاق النار، من خلال التنسيق مع حزب الله عبر القناة القطرية. كما تتجه نحو الإعداد لـ”دوحة 2″، الذي يُفترض أن يبحث مستقبل وجود الحزب جنوب الليطاني وآلية التدرج في نزع سلاحه. وما فهمته الدولة اللبنانية هو أن قطر تعمل على مرحلة ما بعد الاتفاق، ومستقبل الجنوب، وسلاح حزب الله، وهو ما يبقى مرتبطًا أيضًا بمسار المفاوضات في واشنطن.
وفي المحصلة، لا شيء محسومًا بعد، ولا يزال هناك متسع من الوقت. وفي نهاية المطاف، تبقى الولايات المتحدة صاحبة التأثير الأكبر في تحديد مصير اليونيفيل، في ظل قدرتها على ترجيح الكفة داخل مجلس الأمن. لذلكَ، يبقى الملف برمته بانتظار اتضاح نتائج المسارات التفاوضية المختلفة، فيما لا تتجاوز المواقف الأوروبية حتى الآن حدود إعلان الدعم والرغبة في لعب دور في المرحلة المقبلة.
غادة حلاوي – المدن




