“ممنوع التدخين”… لوحة جداريّة لقانون مُعلّق!!!

ربى أبو فاضل- الديار
على جدران الأماكن العامة، تبرز عبارة صغيرة تقول “ممنوع التدخين”، بينما تتصاعد سحب الدخان من السجائر والأراكيل في كل مكان، من دون أي اعتراض أو التزام فعلي. وهنا يطرح سؤال مشروع : ماذا حدث لقانون منع التدخين في لبنان؟ وكيف تحول أحد أهم قوانين الصحة العامة ، إلى نص موجود على الورق أكثر مما هو مطبق على أرض الواقع؟
في عام 2012 أقر لبنان القانون رقم 174 للحد من التدخين، وتنظيم صناعة وتغليف والإعلان عن منتجات التبغ، واضعا حظرا واضحا على التدخين، داخل الأماكن العامة المغلقة وأماكن العمل ووسائل النقل العامة، بهدف حماية غير المدخنين، لكن بعد أكثر من عقد ما زالت المخالفات أكثر حضورا من الالتزام.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تطبيق ستة إجراءات أساسية، تعرف بحزمة MPOWER وهي: رفع الضرائب، منع الإعلان والترويج، توسيع المساحات الخالية من التدخين، دعم برامج الإقلاع، نشر الوعي، وتشديد الرقابة، يمكن أن ينقذ نحو 40 ألف حياة بحلول عام 2037 ، ويخفف خسائر بمئات ملايين الدولارات.
فهذه الاجراءات تطبق في أكثر من 100 دولة، بينما لا يزال لبنان متأخرا عنها بخطوات كبيرة، رغم ارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بالتبغ.
أرقام صادمة وتحذيرات طبية
أزمة التدخين في لبنان لا تبدو مجرد انطباع اجتماعي، بل تؤكدها مؤشرات دولية تضعه ضمن الدول ذات معدلات الاستهلاك المرتفعة، فوفق تقرير World Population Review لعام 2025، احتل لبنان المرتبة الثانية عربيا بنسبة تدخين تتجاوز 34%، وهو رقم يعكس أزمة صحية واجتماعية، ويكشف عمق تطبيع ثقافة التبغ، والأخطر أن الظاهرة تمتد إلى الفئات الشابة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن حوالى ال36% من المراهقين بين 13 و15 عاما يدخنون السجائر والأرجيلة، فيما يتعرض 7 من كل 10 أطفال للتدخين السلبي داخل المنازل.
ويحذر أطباء الصحة العامة والأمراض الصدرية، من أن خطر التدخين لا يقتصر على المدخنين، بل يمتد إلى غير المدخنين عبر التدخين السلبي، الذي يرفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي وبعض أنواع السرطان، خصوصا لدى الأطفال والحوامل والعاملين في الأماكن المغلقة.
تقديرات منظمة الصحة العالمية وشركائها، تظهر أن التدخين يفرض عبئا صحيا واقتصاديا كبيرا على لبنان، حيث يتسبب بآلاف الوفيات سنويا، ويرفع معدلات الأمراض المزمنة مثل السرطان وأمراض القلب والجهاز التنفسي.
ووفق دراسة مشتركة بين وزارة الصحة اللبنانية ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تبلغ الكلفة الاقتصادية للتبغ في لبنان نحو 140 مليون دولار سنويا، أي ما يعادل قرابة 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشمل هذه الكلفة النفقات الصحية وخسائر الإنتاجية والوفيات المبكرة. كما تشير الدراسة نفسها إلى أن تعزيز سياسات مكافحة التدخين قد يحقق وفورات كبيرة، تتجاوز مئات ملايين الدولارات على المدى الطويل.
القانون في مواجهة الواقع
أما قانونيا، فيؤكد مصدر حقوقي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن “المشكلة ليست تشريعية، بل تتعلق بالتطبيق”، مضيفا أن “القانون رقم 174 يحدد بوضوح الجهات المكلفة بالرقابة والتنفيذ، وفي مقدمها وزارة الصحة العامة، الضابطة العدلية، مفتشو وزارة الصحة، مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، والشرطة السياحية ضمن نطاق صلاحياتها، إلا أن استمرار المخالفات يثير تساؤلات جدية حول فعالية المتابعة والمساءلة”.
وبين نصوص واضحة على الورق وواقع يزدحم بالدخان، يبدو أن قانون منع التدخين رقم 174 قد فقد جوهره الأساسي “الحماية”، فمحدودية الرقابة وغياب الحملات المنتظمة جعلاه في كثير من الأماكن مجرد إعلان بلا أثر، وكأنه صمم ليعلق على الجدران لا ليطبق.
لكن السؤال يبقى كيف لدولة تتكبد أكثر من 140 مليون دولار سنويا ككلفة للتدخين، وتفقد آلاف الأرواح سنويا بسببه، أن تعجز عن فرض قانون واضح منذ أكثر من عقد؟




