أخبار محلية

العفو العام.. ماذا بعد؟

سقوط الجلسة النيابية الأخيرة لإقرار قانون العفو العام ليس مجرّد تأجيل تقني لبند تشريعي، بل أعاد فتح أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان خلال السنوات الماضية، لا سيما بعد سقوط نظام البعث في سوريا، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والطائفية والحقوقية، فيما يبقى مئات السجناء وعائلاتهم الذين ينتظرون نهاية مسار طويل من التسويف والتأجيل والوعود.

ومع سقوط الجلسة، بات السؤال مُلِحاً: هل أصبح قانون العفو العام رهينة التجاذبات السياسية والطائفية، أم أنّ هناك فرصة جدية لوضعه على سكة الإقرار عبر تفاهمات سياسية جديدة؟

خيبة داخل السجون

داخل السجون، اُستقبل خبر التأجيل بريبةٍ وخوفٍ كبيرين. فالسجناء الذين يطالبون بإقرار قانون العفو يؤكدون أنهم لا يريدون تحويل ملفهم إلى مادة للمساومات بين القوى السياسية، ولا أن يبقوا ورقة تظهر عند الاستحقاقات الانتخابية ثم تُعاد إلى الأدراج.

وينقل الشيخ عمر الأطرش، وهو المتابع لملف السجناء الإسلاميين من داخل سجن رومية في حديثٍ إلى “المدن” حالة الإحباط والمرارة التي تسود بين الموقوفين، مؤكداً أن السجناء “ليسوا طرفاً في السجالات، ولا يريدون أن يصبحوا ضحايا التجاذبات السياسية فوق مظلوميتهم”. ويشير إلى أن معظمهم ينتظر منذ سنوات معالجة هذا الملف وفق معايير العدالة، بعيداً عن الحسابات الانتخابية أو الاصطفافات السياسية، معتبراً أن استمرار التأجيل يفاقم شعور الظلم والاستهداف لدى مئات العائلات التي تنتظر إقرار القانون وخروج أبنائها.

ويرى الأطرش أنّ المطلوب اليوم موقف سياسي واضح يُفضي إلى إقرار العفو ضمن مقاربة وطنية حقّة، لا أن يبقى الملف رهينة الخلافات بين الكتل النيابية، فاستمرار المراوحة لا يخدم الاستقرار الاجتماعي، ولا يحقق العدالة المنشودة، ولا ينسجم مع الخطاب الرسمي حول فتح صفحة جديدة في العلاقة مع سوريا.

دعوات لتوحيد الموقف

في الشق السياسي أعاد تأجيل الجلسة النقاش حول أداء النواب السنّة في هذا الملف، في ظل مطالبات شعبية بتوحيد موقفهم، والانتقال من البيانات والخطابات المنبرية إلى خطوات أكثر فاعلية داخل المجلس النيابي.

وفي هذا السياق، يدعو النائب بلال الحشيمي إلى “موقف سنّي أكثر حسماً في التعاطي مع ملف العفو العام”، معتبراً أن المرحلة تستدعي تنسيقاً كاملاً بين النواب السنّة من أجل تحويل هذا الملف إلى أولوية تشريعية حقيقية. ويؤكد أن “وحدة الموقف قادرة على خلق ضغط سياسي يدفع باتجاه إعادة إدراج القانون على جدول الأعمال وإقراره بعيداً عن المماطلة”، فالقضية لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.

ويعتبر الحشيمي أنّ العفو العام “ليس مطلباً لفئة دون أخرى، بل قضية وطنية وإنسانية تتصل بمفهوم العدالة وإنصاف من طالت سنوات توقيفهم وتأخرت محاكماتهم”، داعياً جميع الكتل إلى مقاربة الملف بعيداً عن الحسابات الضيقة.

فصل العفو عن إلغاء الإعدام

في المقابل، يؤكد النائب ملحم رياشي أن موقف حزب القوات اللبنانية لا يزال ثابتاً في دعم إقرار قانون العفو العام، لكنه يرفض في الوقت نفسه الخلط بين هذا الملف وبين اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد المشدّد.

ويشدد رياشي في حديثه إلى “المدن” على أن الملفين “مختلفان تماماً من الناحية القانونية والسياسية، وأن دمجهما يؤدي إلى تعقيد النقاش وإبطاء إقرار العفو”، مؤكداً أن القوات تؤيد معالجة ملف العفو بصورة مستقلة، بما يتيح الوصول إلى توافق نيابي بعيداً عن السجالات المرتبطة بعقوبة الإعدام.

وحول محاولات دق إسفين بينهم وبين الطائفة السنية على خلفية قانون العفو يجيب رياشي بحزم “السنة أهلنا وطائفتنا، وسنكون أول الموقعين على قانون عفو عادل يشمل الموقوفين الإسلاميين” مؤكداً أنهم جاهزون للنوم في مجلس النواب إذا لزم الأمر، لكنهم لا يقبلون أن يبعهم أحد سمكاً في البحر، عبر مواقف شعبوية معروفة الهدف.

بين غضب السجناء، ودعوات بعض النواب إلى إعادة تحريك الملف، وتمسك كتل نيابية بإقرار العفو بعيداً عن ربطه بتشريعات أخرى، يبقى القانون عالقاً في دائرة الانتظار. فالجلسة الأخيرة لم تُسقط اقتراح العفو، لكنها أظهرت هشاشة التوافق السياسي حوله، في وقت تتسع فيه الفجوة بين وعود القوى السياسية، وانتظار مئات العائلات.

وحتى تتوافر إرادة سياسية جامعة، يبقى السؤال مطروحاً: هل يتحول العفو العام إلى أولوية تشريعية في المرحلة المقبلة، أم يبقى بنداً يُستحضر عند كل استحقاق ثم يُؤجل إلى موعد آخر؟

طارق الحجيري- المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |