Featuredأخبار محلية

821 ألفًا عادوا… والجنوب يستقبل أهله بلا ضمانات

أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 800 ألف نازح عادوا إلى مناطقهم الأصلية في لبنان، بعد تراجع وتيرة العمليات العسكرية في الجنوب، فيما لا يزال أكثر من 360 ألف شخص بعيدين عن منازلهم، وسط استمرار التوتر الأمني واتساع حجم الأضرار التي لحقت بالقرى والبنى التحتية.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، في تقرير صدر مساء الثلاثاء، بأن 821,077 شخصًا بدأوا العودة إلى مناطقهم الأصلية حتى 30 تموز 2026، في واحدة من أكبر حركات العودة التي شهدها لبنان منذ اتساع رقعة الحرب.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أكثر من 360 ألف شخص لا يزالون في عداد النازحين، بينهم نحو 26 ألفًا يقيمون في مراكز إيواء حكومية، فيما توزّع آخرون على منازل أقاربهم أو استأجروا مساكن مؤقتة في مناطق أكثر أمنًا.

ولا تعني عودة مئات الآلاف انتهاء أزمة النزوح، إذ عاد عدد كبير من الأهالي إلى قرى وأحياء تعرضت لأضرار واسعة، في حين وجد بعضهم منازلهم مدمرة بصورة كاملة أو غير صالحة للسكن، ما اضطرهم إلى الإقامة في غرف مؤقتة أو داخل مبانٍ متضررة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وتتركز غالبية حالات النزوح في الجنوب والنبطية والبقاع ومناطق أخرى استقبلت العائلات الفارّة من القصف، فيما شهدت القرى الحدودية القسم الأكبر من الدمار نتيجة الغارات الجوية والعمليات البرية وعمليات الهدم والتفجير.

وكانت الحرب قد امتدت إلى لبنان بعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل ردًا على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولى على إيران، لترد إسرائيل بحملة عسكرية واسعة شملت غارات جوية مكثفة واجتياحًا بريًا لمناطق في جنوب لبنان.

وأدت العمليات العسكرية إلى موجات نزوح متتالية، مع مغادرة عشرات آلاف العائلات بلداتها خلال فترات زمنية قصيرة، خصوصًا بعدما أصدرت إسرائيل إنذارات بالإخلاء طالت قرى وأحياء سكنية عدة.

وتراجعت حدة المواجهات بعد توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم خلال حزيران الماضي لوقف الحرب بينهما، بما يشمل الجبهة اللبنانية، بالتزامن مع استمرار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل تنفيذ غارات وقصف مدفعي متقطع وعمليات هدم وتفجير في عدد من البلدات الجنوبية، ما يمنع قسمًا من الأهالي من العودة ويثير مخاوف الذين عادوا إلى مناطقهم في ظل غياب ضمانات أمنية ثابتة.

كما لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة في عدد من المواقع والمناطق الجنوبية، فيما يطالب لبنان بانسحاب كامل يتيح للجيش اللبناني الانتشار وتأمين القرى وعودة السكان بصورة آمنة.

وتزامن صدور التقرير الأممي مع انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في روما، والتي بدأت الثلاثاء 4 آب وتستمر حتى الخميس 6 منه، برعاية أميركية، وسط مساعٍ لبنانية لتحقيق انسحابات إسرائيلية إضافية من مناطق جديدة في الجنوب.

ويطرح الوفد اللبناني خلال المفاوضات ملف البلدات التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، إضافة إلى ضرورة وقف الغارات والتفجيرات وتأمين عودة الأهالي، فيما تصر إسرائيل على ربط أي انسحاب إضافي بتنفيذ ترتيبات أمنية تتعلق بالسلاح وانتشار الجيش اللبناني.

وبعد 5 جولات تفاوضية عُقدت في واشنطن، توصل لبنان وإسرائيل في حزيران الماضي إلى اتفاق إطار ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة، ومعالجة ملف سلاح حزب الله، بدءًا من مناطق تجريبية يُفترض تطبيق الترتيبات فيها قبل توسيعها إلى مناطق أخرى.

وتبحث جولة روما في كيفية تنفيذ هذه المرحلة، وتحديد المناطق الجديدة التي يمكن أن يشملها الانتشار اللبناني والانسحاب الإسرائيلي، إلى جانب وضع آليات للتحقق من تنفيذ الالتزامات وتوفير ضمانات تمنع تجدّد المواجهات.

ويرفض حزب الله الاتفاق ومبدأ تسليم سلاحه، فيما قال أمينه العام للحزب نعيم قاسم إن المفاوضات المباشرة لن تجلب للبنان، وفق تعبيره، “إلا العار والذل والخيبة والتنازلات المتتالية”.

وتزيد هذه المواقف من تعقيد المسار التفاوضي، في ظل تمسك الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز انتشار الجيش، مقابل مطالبة الحزب بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها قبل البحث في أي ترتيبات داخلية تتعلق بسلاحه.

ولا تقتصر معاناة العائدين على المخاطر الأمنية، إذ أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية للمياه والكهرباء أثرت بصورة حادة في قدرة أكثر من 700 ألف شخص على الحصول على المياه في جنوب لبنان.

وتعرضت محطات ضخ وخزانات وشبكات توزيع وخطوط كهرباء لأضرار مباشرة، فيما تواجه البلديات صعوبة في تأمين المحروقات والمعدات والتمويل اللازم لإصلاح الأعطال وإعادة الخدمات إلى القرى المتضررة.

ويجد عدد كبير من السكان أنفسهم أمام منازل متضررة وطرقات مدمرة وخدمات شبه غائبة، إضافة إلى تضرر المدارس والمراكز الصحية والمحال التجارية والأراضي الزراعية التي تشكل مصدر رزق رئيسيًا لآلاف العائلات.

كما تشكل الصواريخ والقنابل غير المنفجرة خطرًا إضافيًا على الأهالي، بعدما عُثر على ذخائر من مخلفات الغارات داخل منازل وحقول وعلى جوانب الطرق، ما دفع الجيش اللبناني إلى تكثيف عمليات المسح والتفكيك والتحذير من الاقتراب من أي جسم مشبوه.

وتؤثر هذه المخلفات بصورة مباشرة في حركة المزارعين وأعمال إزالة الركام وإعادة إعمار المنازل، إذ تحتاج مناطق واسعة إلى مسح هندسي قبل السماح بعودة النشاط الطبيعي إليها.

وتواجه الدولة اللبنانية تحديًا كبيرًا في تأمين عودة مستدامة للنازحين، لأن العودة لا تقتصر على انتقال السكان إلى بلداتهم، بل تتطلب إعادة بناء المنازل وتأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرقات والمدارس والمستشفيات، وتأمين فرص العمل والخدمات الأساسية.

ويحتاج ملف إعادة الإعمار إلى تمويل يتجاوز قدرات البلديات والمؤسسات الرسمية، ما يدفع لبنان إلى التعويل على دعم الدول والمنظمات الدولية، بالتوازي مع المطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات التي قد تؤدي إلى تدمير ما يُعاد إصلاحه.

وبينما تعكس عودة أكثر من 821 ألف شخص رغبة واسعة لدى الأهالي في استعادة حياتهم والبقاء في قراهم، فإن بقاء أكثر من 360 ألفًا في النزوح يكشف أن الطريق إلى الاستقرار لا يزال طويلًا.

وتبقى عودة الأهالي مرتبطة بنتائج المفاوضات الجارية، ومدى قدرة الأطراف الراعية على تثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وإطلاق عملية إعادة إعمار جدية تعيد الحياة إلى القرى الجنوبية المتضررة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |