
والمفارقة أن سلفه ارتكب الخطأ ذاته عام 2010، حين استند إلى مقال خيالي للصحافي سليم نصار، فتحدث عن رسالة أميركية من هنري كسينجر إلى ريمون إده يقرّ فيها بمسؤولية أميركا عن الحرب الأهلية. يومها، مرّت الواقعة بأخفّ الأضرار بفعل قوة نفوذ “الحزب” وتأثير نصر الله، فيما تحوّلت اليوم مادة للسخرية. فما كانت الهيبة قادرة على ابتلاعه باتت عاجزة عن حمايته.
هذه هي صورة “الردع المتآكل”، ويمكن تلمسها في كرة القدم، حيث كان فريق “العهد” مرآة لاستلاب “الحزب” للقرار الوطني والحياة السياسية وانكساره خلال عقدين. فاللافت أن الفريق لم يفز ببطولة الدوري مطلقًا قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بل لم يكن منافسًا جديًا، تمامًا مثلما كان “الحزب” يلامس السياسة ضمن هوامش محدودة، ولم يتمثل وزاريًا سوى في أول حكومة أعقبت الاغتيال.
جاءت أول بطولة دوري لـ”العهد” عام 2008، بالتزامن مع أحداث “7 أيار” و”اتفاق الدوحة” الذي منح “الحزب” حق السيطرة ومدّ النفوذ. لترتسم بعدها حقبة ذهبية بلغت أوجها مع رئاسة المحامي تميم سليمان عام 2014، بالتوازي مع دخول الحزب الاحتلالي إلى سوريا وتحوله إلى قوة إقليمية. وخلال 15 موسمًا، حصد “العهد” بطولة الدوري 9 مرات.
كان “العهد” يومها مدججًا بنخبة نجوم الكرة المحليين، ويشكل القوام الأساسي للمنتخب الوطني، معززًا بخزان ناشئين موفور. وكان الأكثر انضباطًا بما لا يقاس مع حال الفوضى الكروية. في تلك الفترة كان المتابع يشعر بأن الجميع يريد “تبييض” وجهه معه، حتى اتهم الحكام واتحاد اللعبة بمحاباته، رغم أنه لم يكن بحاجة لمساعدة أحد. وكان فوزه التاريخي بكأس الاتحاد الآسيوي عام 2019 كأول فريق لبناني يحقق الإنجاز، برهانًا على قوته. لكن هذه الصورة كانت ترجمة انسيابية لهيمنة “الحزب” السياسية وسعي غالبية القوى والشخصيات في الوسط السياسي، بل والديني والاقتصادي والاجتماعي، لخطب وده.
المفارقة الكبرى أن الترنح بدأ مع تداعيات “طوفان الأقصى”. في أواخر 2024 انسحب سليمان، وتحوّل “العهد” من الرقم الصعب إلى فريق يكافح للحفاظ على صورة البطل، وهو حال “الحزب” راهنًا، حيث احتل في الموسمين الأخيرين المركزين الثالث والرابع تواليًا، وبفارق نقاط كبير عن البطل.
لم ينهَر الفريق أو يتفكك، لكنه لم يعد ذاك البعبع الذي يُخيف، وفقد السيطرة النفسية والمعنوية التي كان يفرضها على الساحة الكروية، إلى درجة دفعت إلى تلقيبه بـ”سرطان الكرة اللبنانية”، واليوم نرى تردّد المصطلح ذاته في السياسة.
عمومًا، تشكل كرة القدم مرآة للسياسة وتوازناتها، خصوصًا في لبنان. والنفوذ السياسي حين يبلغ ذورته يعيد تشكيل عوالم الاقتصاد والثقافة والفن والرياضة، حيث شهدت البلاد طفرة في دور النشر والنتاج الفكري المتمحور حول أدبيات مشروع الملالي وأيديولوجيته. وبرزت تجلياتها في معرض الكتاب الذي ينظمه “النادي الثقافي العربي”، مع انتشار تيمات صور سليماني ورموز آخرين، فضلا عن إقامة معرض كتاب ثانٍ “شيعي الهوية” ليكون ندًا للأول ذو الطابع السني والعروبي. وأسطع مثال على هذا التداخل أن البرلمان الحالي يضم رئيسًا سابقًا للعهد، نائب بيروت أمين شري، إلى جانب رؤساء حاليين أو سابقين لأندية كروية، مثل نبيل بدر وفادي علامة وأكرم شهيب.
“العهد” هو ظل “الحزب” وكان مؤشرًا على حجم قدرته. والمشكلة ليست في أنه لم يعد يفوز، بل في أن الآخرين لم يعودوا يخافونه، وهذه بالضبط قصة “الحزب” اليوم. وهذه في السياسة كما في كرة القدم العلامة الأوضح أن الهيبة بدأت تتراجع، وأن زمن الرقم الذي لا يمكن تجاوزه قد ولّى.



