إسرائيل تهدم الجنوب… واللبنانيون يسابقونها لإنقاذ ذاكرته

في مواجهة عمليات الهدم الإسرائيلية المتواصلة في جنوب لبنان، يخوض أفراد وجمعيات سباقاً لحماية ذاكرة المنطقة وتوثيق تاريخها، عبر جمع الصور والشهادات والمقتنيات القديمة، قبل أن تختفي القرى والمعالم التي تختزن مئات السنين من التراث.
وبحسب تقرير للصحافية لور ستيفان، مراسلة صحيفة “لوموند” الفرنسية في بيروت، فتح المنتج السينمائي الشاب أديب فرحات طرداً وصله أخيراً، احتوى لوحتين صغيرتين لمناظر من جنوب لبنان ومجلات قديمة، لتنضم إلى صناديق الصحف والأرشيف المتراكمة في مكتبه البيروتي.
وقال فرحات إن كثافة عمليات الهدم التي تنفذها إسرائيل في الجنوب المحتل جزئياً أطلقت “سباقاً بين الحفاظ على الذاكرة والتدمير”. وكان قد اضطر إلى إخلاء قسم من أرشيفه من بلدة عربصاليم، حيث كان يقيم منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله” في 2 آذار، وهي حرب جُمّدت جزئياً بعد وقف إطلاق النار في 20 حزيران.
ورغم ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي يومياً تفجير المنازل داخل المنطقة المحتلة، إلى جانب تنفيذ غارات جوية في محيطها. ومنذ الهدنة الأولى في نيسان، سُوّيت أكثر من 20 قرية حدودية بالأرض. وفي 28 تموز، انسحبت القوات الإسرائيلية من بلدة زوطر الغربية، فيما استمرت عمليات التدمير في مناطق أخرى.
ويبحث فرحات اليوم عن كل ما يتصل بتاريخ جنوب لبنان وبالحرب الأخيرة، من صور وأغراض وكتب إلى شهادات شفهية يجمعها بنفسه. فالمنطقة عانت عقوداً من الحروب المتكررة المرتبطة بإسرائيل، قبل وقت طويل من ظهور “حزب الله”، الحركة الشيعية المسلحة المدعومة من إيران، في ثمانينيات القرن الماضي.
كما خضع الجنوب للاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1978 و2000. ويحتفظ فرحات من تلك المرحلة بتصاريح مكتوبة بالعبرية والعربية، كان يتوجب إبرازها أمام الميليشيا اللبنانية التي أدارت المنطقة بالنيابة عن إسرائيل.
وقال فرحات: “لا أريد أن تُنسى قصتي. هذا ما يدفعني إلى الأرشفة، لا الرغبة في الحديث عن الحرب”. ويأمل في إطلاق متحف إلكتروني، ثم افتتاح مركز ثقافي في الجنوب عندما تهدأ الأوضاع، مضيفاً: “يتيح لنا العمل الأرشيفي دعم روايتنا وسرد قصتنا بأنفسنا”.
وكان فرحات أحد القيّمين على معرض “حكيلي يا جنوب”، الذي يتناول ذاكرة المنطقة ويعود في أيلول إلى متحف بيت بيروت في العاصمة. وقد جمع المعرض بين بين الذكريات الشخصية والتاريخية، وأتاح للزوار القادمين من الجنوب استعادة قراهم عبر خريطة جدارية مفصلة للمنطقة امتلأت تدريجياً بالصور.
وقالت دلفين دارمنسي، القيّمة المشاركة على المعرض: “جمعنا أكثر من 460 صورة تمثل ما يزيد على 35 بلدة. وتُظهر الصور لحظات عائلية ومنازل ومناظر طبيعية، كما قدمت لنا إدارة التبغ صوراً للمزارعين”، علماً أن زراعة التبغ تُعد من أبرز المحاصيل في الجنوب.
وتتناقض هذه الصور، التي سيُحفظ بعضها في المتحف، بصورة حادة مع الدمار الحالي. ووفق دارمنسي، عاد بعض المشاركين إلى المتحف خصيصاً للتأكد من عرض صورهم على الخريطة.
وفرضت إسرائيل حظراً على عودة معظم السكان إلى المنطقة المحتلة، وهو إجراء يطاول بصورة أساسية أبناء الطائفة الشيعية الذين يشكلون غالبية سكان الجنوب. وفي المقابل، يؤكد مسؤولون إسرائيليون أن انسحاب قواتهم ليس مطروحاً في وقت قريب، ما عزز شعور السكان بفقدان أرضهم والخوف من استمرار هذا الواقع، وزاد إلحاح الحاجة إلى توثيق ما كان قائماً.
وقال الباحث في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط مهند الحاج علي: “نشهد في هذه المنطقة تدمير جماعة، هي الشيعة، على يد إسرائيل بذريعة أنها آوت العدو، أي حزب الله. وقد استُخدم الأسلوب نفسه في قطاع غزة”. وأضاف: “إنه شكل متطرف من مكافحة التمرد، ويُسمّى أيضاً تطهيراً عرقياً”.
وفي مواجهة ذلك، يسعى السكان إلى توثيق ما كان موجوداً، على أمل ترميمه مستقبلاً. كما جمعت جمعية “بلادي”، المتخصصة في حماية التراث الثقافي، مشاهد مصورة وشهادات من الأهالي، وتعمل بالتعاون مع طلاب الهندسة المعمارية في الجامعة اللبنانية على إعداد جردة للأبنية ذات القيمة التاريخية داخل المنطقة المحتلة، ومنها الأسواق والمساجد والأضرحة والمنازل القديمة.
وقالت مديرة الجمعية جوان بجالي: “نريد إبراز قيمة تراث معماري جرى تجاهله، لكنه أصبح معروفاً للأسف بسبب الحرب. ونريد أيضاً شرح حجم الدمار”. وأضافت: “نتحدث عن تاريخ يمتد مئات السنين، وفقدانه لا يمثل مأساة لسكان المنطقة وحدهم، بل لجميع اللبنانيين”.
وكانت الجمعية قد جمعت، بعد حرب عام 2024، صوراً وشهادات عن مدينة النبطية و4 بلدات محيطة بها لتوثيق الدمار. وتُعد بعض هذه المناطق، ومنها كفرتبنيت، من الأكثر تضرراً اليوم بعمليات الهدم.
وتقع كفرتبنيت قرب تلة علي الطاهر التي تسعى إسرائيل إلى السيطرة عليها، متهمة “حزب الله” بإنشاء بنية تحتية كبيرة تحت الأرض فيها. وتبرر إسرائيل تدمير القرى بالضرورة العسكرية، لكن بجالي اعتبرت أنه “من الواضح وجود محاولة لمحو تاريخ أهل الجنوب وأرضهم”.
وأضافت: “هُدمت معالم مثل منزل آل ميرزا في النبطية، الذي بُني عام 1936 وعُرف بقيمته المعمارية ودوره الاجتماعي. وفي هذه المدينة، كما في الخيام وبنت جبيل، وهما بلدتان عند الحدود مع إسرائيل، كانت المعالم التاريخية في قلب عمليات التدمير”.
وتخطط جمعية “بلادي” لتنظيم معرض يوثق الدمار، فيما يُنتظر أن يستفيد مشروعها الجاري لإحصاء المباني التراثية من شراكة مع وزارة الثقافة. وكانت الوزارة قد نجحت في تموز في إدراج 5 قلاع جنوبية على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر التابعة لمنظمة “اليونسكو”.
وقال مستشار وزير الثقافة غسان سلامة، جاد تابت، إن جمعيات ومجموعات محلية عدة تساعد حالياً في توسيع الأرشيف المتعلق بهذه المواقع. كما أطلقت الوزارة في تموز نداءً لحماية الذاكرة الثقافية للجنوب.
لكن فرحات رأى أن تحرك الدولة لا يزال غير كافٍ، مع إقراره بأنها “عاجزة أمام آلة القتل الإسرائيلية”. أما بجالي، فأسفت لعدم انخراط عدد أكبر من الجمعيات في هذا الجهد، قياساً إلى حجم المأساة، فيما يستمر السباق لحفظ تاريخ الجنوب قبل أن تزيل عمليات الهدم شواهده المادية.
المصدر: ليبانون ديبايت



