أخبار محلية

الأرقام تتكلّم… والوقاية تبدأ قبل لحظة الخطر!

كريستال النوار – Mtv
تحتلّ الصحة النفسية اليوم مساحة أوسع في النقاش العام في لبنان. فالمصطلحات المرتبطة بها أصبحت أكثر تداولاً، والخدمات المتخصّصة توسّعت وحملات التوعية تتكاثر، فيما صار الوصول إلى الاختصاصيين أسهل نسبياً. لكن خلف هذا التقدّم، يعيش كثيرون ضائقة نفسيّة عميقة بصمت، من دون أن تتحوّل معاناتهم إلى طلب مساعدة أو تصل إلى من يستطيع احتواءها.

الأرقام الأخيرة تدقّ ناقوس الخطر. فقد سجّل لبنان 147 حالة وفاة انتحاراً عام 2025، مقارنة بـ129 حالة عام 2024، أي بارتفاع نسبته نحو 14 في المئة، وفق أرقام قوى الأمن الداخلي التي نشرتها جمعية “إمبرايس” بالتنسيق مع البرنامج الوطني للصحة النفسية. والأكثر دلالة أنّه بين آذار وأيار 2026، سُجّلت 50 حالة انتحار مقابل 38 حالة في الفترة نفسها من عام 2025، أي بارتفاع 31.5 في المئة، وفق مجلة الأمن التابعة لقوى الأمن الداخلي، كما نقلت “الدولية للمعلومات”.
لكن قراءة هذه الأرقام لا تمثّل بالضرورة الحجم الكامل للظاهرة، في ظلّ غياب نظام وطني شامل لرصد حالات الانتحار، كما أنّ بعض الحالات قد لا تُسجّل بالطريقة نفسها. وتشير وزارة الصحة في استراتيجيتها الوطنية للصحة النفسية إلى “صعوبة استخلاص استنتاجات دقيقة من الأرقام الرسمية بسبب غياب نظام رصد شامل”.

إذاً، ماذا ينقصنا؟ تُشير المعالجة النفسيّة مايا دبوق، في حديث لموقع MTV، إلى أنّه “لم يعد كافياً أن نبقى في إطار التوعية التقليدية، أي أن نعرّف الناس إلى الصحة النفسية ونخبرهم بوجود خط ساخن أو خدمة يمكن اللجوء إليها عند الأزمات”، موضحةً أنّ “الوقاية من الانتحار تحتاج إلى توسيع الدائرة لتشمل مستويات عدّة تطال الفرد، العلاقات، المجتمع، المؤسسات وحتى الإطار القانوني”.
فالمشكلة لا تبدأ لحظة وصول الفرد إلى مرحلة الخطر. هناك مسار كامل يسبقها، ولذلك لا يمكن اختزال الوقاية في السؤال “أين يمكن أن يحصل الشخص على المساعدة؟” السؤال الأهم هو “هل يعرف هذا الشخص كيف يتعامل مع ما يشعر به قبل أن يصل إلى هذه المرحلة”؟

لبنان يقدّم يومياً مجموعة كبيرة من المحفّزات الخارجية (غلاء المعيشة، عدم الاستقرار، الأزمات المتلاحقة، الخوف من المستقبل، الضغوط الاجتماعية والمهنية) وكلها عوامل تزيد الضائقة النفسية، لكنّها، وفق دبوق، لا تفسّر وحدها الانتحار ولا يمكن التعامل معها باعتبارها السبب الأساس في كلّ حالة.
هنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في فهم الظاهرة؛ المحفّز الخارجي ليس نفسه العامل النفسي الذي يجعل شخصاً ما أكثر عرضة للانتحار. فقد يمرّ شخصان بالظرف نفسه لكنهما لا يستجيبان له بالطريقة نفسها. التركيبة النفسية والقدرة على تحمّل الألم وطريقة تفسير الأحداث والقدرة على تنظيم المشاعر وشبكة العلاقات المحيطة بالفرد، كلّها تدخل في كيفيّة التعامل مع الأزمة، وبالتالي تؤثّر على حالات الانتحار. وعندما يصبح الخطاب العام محصوراً في القول إن الناس ينهارون بسبب الأوضاع الاقتصادية أو الأمنية، قد نغفل عن السؤال الأكثر فائدة للوقاية “كيف نعلّم الإنسان أن يفهم ألمه ويتعامل معه”؟
لا يعني ذلك التقليل من أثر الأزمات التي نعيشها. على العكس، الظروف الصعبة يمكن أن تكون محفّزاً قوياً للضائقة النفسية، لكن تحويلها إلى تفسير وحيد للانتحار يجعل المقاربة ناقصة، لأن الوقاية لا تستطيع تغيير كلّ الظروف الخارجيّة، فيما يمكن العمل على مهارات الفرد وقدرته على التعرّف إلى مشاعره وطلب المساعدة وتنظيمها.
والانتحار، في هذا السياق، لا يأتي دائماً من فراغ. قد يكون، في جوهره، محاولة لإنهاء ألم نفسي أصبح الشخص غير قادر على تحمّله أو فهمه أو إيجاد مخرج منه. لذلك، فإن بناء القدرة على تحمّل الألم النفسي والتعامل معه لا يقلّ أهمية عن تعريف الناس بالخدمات المتاحة لهم.

تعود المسؤولية إلى الفرد، ولكن ليس بمعنى تحميله مسؤولية معاناته. المقصود هو إعطاؤه أدوات تساعده على فهم نفسه قبل أن تصبح الأزمة أكبر من قدرته على إدارتها، وفق ما تؤكّد دبوق عبر موقعنا. فـ”أن يعرف الإنسان أنه حزين أو غاضب أو خائف ليس كافياً. الأهم أن يعرف ماذا يفعل بهذه المشاعر وكيف يعبّر عنها ومتى يكون بحاجة إلى مساعدة متخصّصة، وكيف يطلب هذه المساعدة من دون أن يعتبر ذلك فشلاً أو ضعفاً”.
لذلك، لا ينبغي أن يصبح ارتفاع الأرقام خبراً موسمياً نعود إليه عند كل حالة جديدة ثم ننتقل إلى موضوع آخر. عندما ترتفع الحالات، لا يكفي أن نسأل عن عددها، بل يجب أن نسأل ماذا تقول لنا هذه الأرقام عن طريقة تعامل المجتمع مع الألم النفسي؟! فالوقاية من الانتحار لا تبدأ عند الخط الساخن ولا تنتهي عند باب عيادة الطبيب النفسي، بل تبدأ في المنزل والمدرسة والجامعة، في مكان العمل وفي طريقة حديثنا عن المشاعر والأزمات. وتحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطر والتدخل، وإلى سياسات عامة تضع الصحة النفسية ضمن منظومة الرعاية لا في هامشها.

ربّما هذه هي النقلة المطلوبة في مقاربة الانتحار: ألا ننتظر الصرخة الأخيرة كي نبدأ بالاستماع، وألا نختصر الوقاية في معرفة أين نطلب المساعدة، بل أن نعلّم الإنسان منذ وقتٍ مبكر كيف يفهم ألمه قبل أن يتحوّل إلى أزمة لا يستطيع وحده تفكيكها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |