أخبار محلية

رفات جندي يفتح جرحاً عمره 44 عاماً… كيف ابتلعت “السلطان يعقوب” 6 إسرائيليين؟

احتاجت معركة استمرت نحو 8 ساعات إلى 44 عاماً كي تُقفل آخر ملفاتها. فمع إعلان الجيش الإسرائيلي استعادة رفات يهودا كاتس، آخر المفقودين في معركة السلطان يعقوب، عادت إلى الواجهة واحدة من أقسى ليالي الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين دخلت قوة مدرعة إلى عمق البقاع لتنفيذ مهمة سريعة، وانسحبت تاركة خلفها دبابات محترقة و6 جنود مجهولي المصير.

وجاء العثور على رفات كاتس نتيجة عملية سرية شاركت فيها الاستخبارات العسكرية و”الموساد”. ولم تكشف إسرائيل مكان العثور عليها أو تفاصيل استعادتها، مكتفية بالقول إن العملية تُوّجت جهوداً استخبارية وميدانية تواصلت منذ سقوطه. وبإعادته، أُقفل آخر ملف بقي مفتوحاً من تلك المعركة، بعدما مات والداه من دون معرفة مصيره.

بدأت القصة في ليلة 10 إلى 11 حزيران 1982، في اليوم السادس من الاجتياح الإسرائيلي للبنان. كانت إسرائيل تستعد لوقف إطلاق نار مع الجيش السوري، لكنها أرادت قبله السيطرة على تقاطع استراتيجي عند سفح بلدة السلطان يعقوب، على مسافة نحو 7 كيلومترات من الحدود السورية، عُرف في الخرائط العسكرية باسم “مثلث توبلانو”.

أُسندت المهمة إلى قوة تضم 3 ألوية مدرعة ولواء مشاة، تحت قيادة فيلق المنطقة الشمالية برئاسة أفيغدور “يانوش” بن غال. وكان نائبه إيهود باراك، الذي أصبح لاحقاً رئيساً للأركان ثم رئيساً للحكومة، فيما شغل عمرام متسناع منصب رئيس أركان الفيلق.

تقدمت كتيبة دبابات احتياطية ليلاً عبر أرض منخفضة تحيط بها المرتفعات، من دون أن تدرك أنها تدخل منطقة تنتشر فيها قوات سورية في مواقع متفوقة. وكشفت تحقيقات إسرائيلية لاحقة أن الجيش كان يملك صورة جوية تُظهر مواقع السوريين، لكن المعلومة لم تصل إلى القوة الموجودة في الميدان.

وعندما اقترب الرتل من هدفه، فُتحت عليه نيران كثيفة من المرتفعات. خلال دقائق، تحولت القوة المهاجمة إلى قوة محاصرة، وانهالت عليها القذائف والصواريخ المضادة للدروع من اتجاهات متعددة، وسط خلل في الاتصالات وضعف في التنسيق وحوادث نيران صديقة أصابت خلالها القوات الإسرائيلية دبابتين تابعتين لها.

استمر القتال طوال الليل. ومع بزوغ الفجر، أدركت القيادة الإسرائيلية أن بقاء القوة قد يؤدي إلى تدميرها، فأصدرت أمراً بالانسحاب جنوباً. وفتح سلاح المدفعية ستاراً نارياً كثيفاً سمح للجزء الأكبر من القوة بالخروج قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

لكن الانسحاب ترك 8 دبابات وآليات متضررة في الميدان، وقعت في أيدي السوريين. كما سقط عشرات الجنود بين قتيل وجريح، فيما بقي 6 عسكريين وراء القوة المنسحبة، من دون أن يعرف الجيش الإسرائيلي إن كانوا قُتلوا أو أُسروا.

وتختلف الروايات الإسرائيلية بشأن حجم الخسائر. فصفحة الجيش الإسرائيلي تتحدث عن نحو 10 قتلى و31 جريحاً، بينما ترفع تقارير إسرائيلية أحدث عدد القتلى إلى ما بين 20 و21، إضافة إلى أكثر من 30 جريحاً.

كان زوهار ليفشيتس أول الجنود الـ6 الذين اتضح مصيرهم. فقد قُتل ودُفن في سوريا قبل أن تُعاد جثته بعد الحرب. أما أريئيل “أريك” ليبرمان، فأسره الجيش السوري وأُفرج عنه بعد نحو عامين.

وكان قائد الدبابة حازي شاي أسيراً لدى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين–القيادة العامة” بزعامة أحمد جبريل، فيما كانت إسرائيل تعتقد أنه قُتل. بقي مصيره مجهولاً نحو عامين ونصف العام، قبل أن يعود عام 1985 ضمن “صفقة جبريل”، التي أُطلق بموجبها 1150 أسيراً فلسطينياً ولبنانياً مقابل 3 جنود إسرائيليين.

بقي بعد ذلك 3 مفقودين: زخاريا باومل، وتسفيكا فيلدمان، ويهودا كاتس. وعلى مدى عقود، لاحقت عائلاتهم روايات متضاربة عن احتمال مشاهدتهم أحياء في سوريا، من دون أن تتمكن أي جهة من حسم مصيرهم.

في عام 2019، استعادت إسرائيل رفات باومل في عملية جرت بمساعدة روسية داخل سوريا. وفي أيار 2025، أعلن الجيش الإسرائيلي و”الموساد” استعادة رفات فيلدمان من “قلب سوريا”. أما كاتس، فبقي آخر اسم على لائحة المفقودين، إلى أن أُعيدت رفاته بعد 44 عاماً.

وبذلك اكتمل مصير الجنود الـ6: واحد قُتل وأعيدت جثته بعد الحرب، واثنان وقعا في الأسر ثم أُطلق سراحهما، وثلاثة بقيت ملفاتهم معلقة لعقود قبل استعادة رفاتهم تباعاً في أعوام 2019 و2025 و2026.

لا تكمن أهمية عودة كاتس في إنهاء ملف مفقود إسرائيلي فحسب، بل في إعادة فتح واحدة من أبرز وقائع الإخفاق العسكري خلال اجتياح لبنان: قوة تقدمت من دون معلومات حاسمة، ووقعت تحت نيران السوريين في أرض مكشوفة، ثم انسحبت تاركة دباباتها وجنودها خلفها.

أُعيد آخر الجنود، لكن السلطان يعقوب بقيت في الذاكرة الإسرائيلية بوصفها المعركة التي استغرقت ليلة واحدة، واحتاجت إلى 44 عاماً كي تنتهي.

lebanondebate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |