ملف كازينو لبنان: حرب المليارات الرقمية… المؤامرة الموصوفة على Betarabia

نداء الوطن
انتهى الجزء الثالث من هذه السلسلة عند نقطة بلغت فيها المؤامرة ضد Betarabia ذروتها: عملية موصوفة أدّت إلى توقيف رئيس الكازينو ومسؤولين في OSS وعدد من الـAgents، قبل أن تظهر براءتهم جميعًا بعد عام كامل. هذا الجزء يفتح ملف تلك المؤامرة من الداخل: من صمّمها، وبأي أدوات، وكيف تهاوت فصلا بعد فصل أمام قضاء رفض أن يكون أداة بيد أحد.
مؤامرة من أربع طبقات
ما كُشف لاحقًا لم يكن حادثة معزولة أو سوء تفاهم قضائي، بل مؤامرة موصوفة، متعددة الطبقات، تقاطعت فيها أربع جهات لكل منها مصلحتها الخاصة: سوق سوداء موّلت العملية بالكامل، وساسة وجدوا في ضرب Betarabia مصلحة مادية مباشرة ومصلحة سياسية غير مباشرة تقاطعتا مع أهداف السوق السوداء، وبعض القضاة كانوا موعودين بمواقع في التشكيلات القضائية الجديدة مقابل خدمة هذا الملف، ووسائل إعلام وإعلاميون كانوا موعودين بحصة من “حصة الملك” المالية التي توفرها السوق السوداء.
كيف بدأت: إخبار مجهول وتوقيف بلا وجه حق
انطلقت المؤامرة من إخبار يُقال إنه ورد من “مجهول”، فُتح على أساسه تحقيق مع OSS، تبيّن لاحقًا أن هذا الإخبار كان افتراءً كاملا، لكنه كان كافيًا لتوقيف جاد غاريوس ورولان خوري بدون وجه حق لمدة ثلاثة أشهر. الهدف من هذا التوقيف لم يكن خافيًا: تحويل صورة الكازينو وBetarabia، في الرأي العام، إلى طرفين وراء ما يمكن تسميته “سرقة العصر”. المستفيد من هذا السيناريو كان واضحًا: السوق السوداء. الأدوات كانت سياسيين لهم مصالح سياسية أو مادية أو كلتاهما معًا. السلاح كان شخصية قضائية متعطشة لمنصب. أما الغطاء، فوفّرته وسيلة إعلامية تبحث عن تمويل، وإعلاميون قبلوا لعب دور المرتزقة.
تقرير أول: لا تلاعب، ولا اختلاس
بحسب تقرير الهيئة الاتهامية الذي كشف لاحقًا كل هذه الفصول، كانت الخطوة الأولى في المسار القانوني الفعلي مراجعة أعدّها خبراء معلوماتية كلّفتهم النيابة العامة المالية. استغرق إعداد هذا التقرير أكثر من شهر كامل، وخلص بوضوح إلى أن البيانات المقدَّمة صحيحة، ولا وجود لأي تلاعب أو اختلاس. والمفارقة أن هذا التقرير النظيف صدر بعد التوقيفات، لا قبلها، أي أن الرجلين كانا قد أمضيا جزءًا من توقيفهما قبل أن يخرج أول تقرير تقني رسمي بشأنهما.
تقرير ثانٍ: يومان فقط… وخبير باسم مستعار
هنا تبدأ الحلقة الأغرب في هذا الملف. فجأة، ظهر خبير معلوماتية جديد، مكلّف أيضًا من النيابة العامة المالية، وقدّم تقريرًا أعدّه خلال يومين فقط لا غير، يناقض بالكامل التقرير الأول الذي استغرق أكثر من شهر، مدّعيًا وجود اختلاسات. جاء هذا التقرير “غِبّ الطلب”، أي مفصّلا على مقاس المؤامرة تمامًا. واستندت القاضية إلى هذا التقرير بالذات للادعاء على جاد ورولان. المشكلة الأخطر: هذا “الخبير” لم يكن يملك أي خبرة فعلية في المجال، بل كان قد انتحل صفة باسم مستعار، قدّم نفسه باسم فيما تبيّن لاحقًا أن اسمه الحقيقي مغاير.
مواجهة كشفت الحقيقة ومحضر اختفى
لم تستسلم OSS لهذا التقرير المفبرك، بل طلبت مواجهة رسمية داخل مقر أمن الدولة، تجمع الخبير منتحل الصفة بفريق تقني من OSS وخبراء عالميين من شركة مزوّد الخدمة. حصلت هذه المواجهة فعليًا، وانكشفت خلالها هشاشة معطيات هذا “الخبير” أمام كل الحاضرين. لكنّ محضر هذه المواجهة، وهو وثيقة كان يُفترض أن تقلب مسار الملف فورًا، اختفى فجأة، ولم يُستحضر مجددًا إلا بعد تدخل حازم من مدعي عام التمييز، الذي أصرّ على استحضار المحضر رسميًا وإرساله إلى القاضي بو نصار.
خبراء محاسبة بعد فوات الأوان في مسار النيابة
رغم اعتماد النيابة العامة المالية على تقرير “الخبير” المزيّف للادعاء أمام قاضي التحقيق، جرى لاحقًا، وإن بوقت متأخر من إجراءات التحقيق، تكليف ثلاثة خبراء محاسبة للتدقيق الفعلي في الأرقام والبيانات المالية، وهو الأمر الأساسي والبديهي في أي ادعاء يتعلق بجرائم مالية. عندها فقط، ادّعى القاضي بو نصار على الموقوفين بجنح، لا بجنايات، وأرسل ادعاءه إلى الهيئة الاتهامية، التي أخلت سبيل جميع الموقوفين رهن استكمال التحقيق.
القرار النهائي: لا تبييض أموال أو لا سرقة للمال العام لا جناية
بعد ستة أشهر إضافية، وبعد أن تسلّمت الهيئة الاتهامية التقرير النهائي للخبراء الماليين الثلاثة، استُمع مجددًا إلى جاد غاريوس ورولان خوري، وعُرض عليهما هذا التقرير بالتفصيل، فتمكّنا من دحض ما ورد فيه من معطيات مغلوطة بالبراهين والأدلة المستندية. عندها أصدر رئيس الهيئة الاتهامية القاضي فادي العريضي، المشهود له بالنزاهة، إلى جانب عضوَي الهيئة القاضية أنياس معتوق والقاضية مايا عويدات، قرارهم الحاسم: لا تبييض أموال، لا إثراء غير مشروع، لا سرقة مال عام. لا جناية.
بهذا القرار، أنصف القضاء اللبناني الحق مجددًا، وأكّد أن ملف الكازينو وBetarabia لا تشوبه أي شائبة، رغم كل محاولات التدخل التي مارستها أطراف مستفيدة من استمرار السوق السوداء، عبر شبكة من السياسيين وأصحاب النفوذ والعناصر الأمنية.
لكن سقوط المؤامرة قضائيًا لا يعني أن حسابها اكتمل. من خسر فعليًا من وراء هذا التوقيف؟ وكيف انعكس عام كامل من التشويه على حصة الدولة والسوق الشرعية؟ وأين باتت المعركة اليوم بين Betarabia وسوق سوداء خسرت “حصة الملك” ولم تستسلم بعد؟ هذا ما يختتم به الجزء الخامس والأخير من هذه السلسلة.



