أخبار محلية

أسماء من قلب الحرب الأهلية… من هم اليهود الذين تبحث إسرائيل عن رفاتهم؟

تعيد التفاهمات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل فتح واحد من أكثر ملفات الحرب الأهلية غموضًا، بعدما ارتبط الإفراج عن 5 لبنانيين بتعهد الحكومة اللبنانية البحث عن رفات شخصيات من الطائفة اليهودية فُقد أثرها منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، في قضية شهدت سلسلة من عمليات الخطف والقتل وأدت، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى ضربة قاسية أنهت عمليًا وجود الطائفة اليهودية في لبنان.

وبحسب تقرير للصحافي إيتامار آيخنر في صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيلية، فإن التفاهم الذي أُنجز هذا الأسبوع يقضي بأن تفرج إسرائيل عن 5 موقوفين لبنانيين، في مقابل أن تبحث الحكومة اللبنانية داخل أراضيها عن رفات مفقودين يهود، في خطوة أعادت إلى الواجهة سلسلة عمليات خطف وقتل نُسبت إلى حزب الله بين عامي 1984 و1986.

وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان إن «في إطار المفاوضات مع لبنان، وجّه رئيس الوزراء نتنياهو إلى الدفع قدمًا في تحديد مواقع جثامين رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان وإعادتها، وهم الذين اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على يد جماعات مسلحة».

وفي مطلع ستينيات القرن الـ20، كان يعيش في لبنان نحو 9000 يهودي، وكانت أوضاعهم في تلك المرحلة تُعتبر مقبولة نسبيًا، إلا أن النظرة إليهم تدهورت تدريجيًا، ومع تزايد الضغوط ارتفعت وتيرة الهجرة ومغادرة البلاد.

وفي عام 1971، اختُطف في بيروت أمين سر الطائفة اليهودية اللبنانية، البروفيسور ألبرت إيليا، وكان يبلغ 69 عامًا، على يد عملاء سوريين. واقتيد إلى دمشق حيث احتُجز مع يهود حاولوا مغادرة سوريا، قبل أن يُعدم هناك.

ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، لم يبق في الطائفة سوى نحو 1800 شخص. وكان هؤلاء يعتقدون أن علاقاتهم مع جيرانهم المسلمين والمسيحيين ستوفر لهم الحماية، كما حرصوا، قدر الإمكان، على الابتعاد عن أي صلة بإسرائيل.

وقبل نحو شهر فقط من الإعلان الرسمي عن تأسيس حزب الله، وتحديدًا في 15 آب 1984، خُطف القيادي اليهودي اللبناني سليم مراد جاموس، البالغ 45 عامًا، والمتزوج والأب لـ3 أطفال، وكان يشغل منصب الأمين العام للطائفة اليهودية اللبنانية.

وبحسب الرواية الواردة، أخرجه 3 مسلحين من سيارته قرب الكنيس ومركز الطائفة في حي وادي أبو جميل، المعروف أيضًا بـ«حارة اليهود»، في غرب بيروت.

وكان الجيش الإسرائيلي، الذي دخل تلك المنطقة خلال عملية «سلامة الجليل»، قد انسحب منها قبل ذلك بنحو عام.

ولم يُعثر على جثة جاموس مطلقًا، ولم يُعترف به إسرائيليًا ضمن ما يسمى «قتلى الملكوت» إلا بعد نحو 13 عامًا.

وفي ليلة 29 آذار 1985، اختُطف ما لا يقل عن 4 أو 5 من قيادات الطائفة، ولم يعد أي منهم حيًا إلى منزله، فيما لم يُعثر لاحقًا سوى على بعض الجثامين.

وكان من بين المخطوفين إسحاق ساسون، البالغ 65 عامًا ورئيس الطائفة، وقد خُطف أثناء عودته إلى منزله من مطار بيروت الدولي.

كما خُطف الدكتور إيلي حلاق، وهو طبيب أطفال يبلغ 52 عامًا، ونائب رئيس الطائفة ومحاضر في كلية الطب في بيروت، وكان معروفًا بلقب «طبيب الفقراء» بسبب اهتمامه بأطفال اللاجئين الشيعة. وقد خُطف من منزله في غرب بيروت.

وشملت القائمة أيضًا إيلي سرور، البالغ 68 عامًا، وكان من أعضاء «الحبرا قديشا» التابعة للطائفة، وحاييم كوهين حلالة، البالغ 39 عامًا، وهو والد الدكتور إيدي كوهين، وكان يعمل محاسبًا وتاجرًا قبل أن يُختطف عند مدخل منزله، إضافة إلى كليمان دانا، مع ترجيحات بوجود مخطوفين آخرين.

وبعد نحو شهر على تلك الليلة، اختفى أيضًا إسحاق تراب، البالغ 70 عامًا، وهو بروفيسور فخري في الرياضيات في «المدرسة الفرنسية للآداب في بيروت»، من دون أن تُعرف ظروف اختفائه أو توقيته الدقيق.

وفي تموز 1985، خُطف راوول مزراحي، الذي كان يشغل منصب القائم بأعمال رئيس الطائفة بدل إسحاق ساسون، وبعد 10 أيام عُثر على جثته.

وفي أيلول 1985، حصل أول تواصل بين الخاطفين وعائلات المخطوفين، عندما تلقت زوجة الدكتور إيلي حلاق اتصالًا منه ومن إسحاق ساسون، وأبلغاها أنهما وعددًا من القيادات اليهودية المخطوفة محتجزون معًا ولا يزالون على قيد الحياة.

وفي تشرين الثاني 1985، أعلنت جهة وُصفت بأنها واجهة لحزب الله وتسمّت «منظمة المستضعفين في الأرض» مسؤوليتها عن خطف اليهود.

وادعت الرسالة أن اليهود «عملاء للموساد»، وطالبت إسرائيل باستكمال انسحابها من كل لبنان، إضافة إلى الإفراج عن 300 مسلح كانوا محتجزين في ذلك الوقت لدى إسرائيل و/أو جيش لبنان الجنوبي.

والأشخاص الـ4 الذين ظهرت صورهم في الرسالة كانوا إسحاق ساسون، وإيلي سرور، وحاييم كوهين حلالة، وإسحاق تراب، فيما لم تتضمن الرسالة أي ذكر لبقية المخطوفين.

وفي تلك المرحلة، رفضت حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل، التي كان يترأسها شمعون بيريس، حتى الدخول في مفاوضات، فضلًا عن رفضها الإفراج عن الموقوفين المطلوبين.

وبعد ذلك، بحسب التقرير، اتُّخذ قرار بقتل اليهود الذين ظلوا أحياء لدى الخاطفين حتى تلك المرحلة.

وكان حاييم كوهين حلالة أول الـ4 الذين قُتلوا، إذ عُثر على جثته في كانون الأول 1985 ملقاة عند زاوية أحد شوارع بيروت ومصابة بطلق ناري في الرأس.

وبعد فترة قصيرة، وتحديدًا في 31 كانون الأول 1985، عُثر أيضًا على جثة إسحاق تراب.

وفي 15 شباط 1986، خُطف في غرب بيروت يهودا بنيستي، البالغ 68 عامًا، وكان مديرًا سابقًا في بنك صفرا في بيروت، إلى جانب ابنه إبراهيم بنيستي، وهو طبيب يهودي يبلغ 34 عامًا.

وكان ابن آخر للعائلة، يوسف بنيستي، قد اختُطف قبل ذلك في تاريخ غير معروف.

ومن بين الثلاثة، لا يُعرف بصورة مؤكدة سوى مصير إبراهيم بنيستي، إذ عُثر على جثته بعد أيام قليلة، وتبين أنه تعرض للضرب والتعذيب الشديد قبل خنقه وإطلاق النار عليه.

وبعد نحو أسبوع، ولا يزال ذلك خلال شباط، أعلن الخاطفون أنهم نفذوا تهديداتهم حتى النهاية وقتلوا أيضًا الدكتور إيلي حلاق.

وأرسلوا إلى الصحف صورة لجثته بعد إطلاق النار على رأسه، إلا أن الجثة نفسها لم يُعثر عليها مطلقًا.

كما طالب الخاطفون بالإفراج عن مسلحين كانوا معتقلين لدى إسرائيل مقابل تسليم الجثة.

وبحسب شهادات لمخطوفين آخرين، من أميركيين وفرنسيين، كان الدكتور حلاق هو الطبيب الذي يتولى معالجة المحتجزين.

ويشير التقرير إلى أنه لم يُقتل إلا بعدما خُطف طبيب آخر ليحل مكانه.

أما بقية المخطوفين، فلم يُعثر عليهم، ولم يُحسم مصيرهم بصورة مؤكدة حتى اليوم.

ويأتي فتح هذا الملف مجددًا في ظل الاتصالات الحالية بين لبنان وإسرائيل، بعدما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مكتبه السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في إطار الجهود التي يقودانها في مسار المحادثات بين الجانبين.

ومع انتقال الحكومة اللبنانية، وفق التفاهم المعلن، إلى البحث عن رفات المفقودين، تعود قضية عمرها نحو 40 عامًا إلى قلب المفاوضات، في محاولة لكشف مصير أسماء اختفت في أكثر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية اضطرابًا وبقيت ملفاتها مفتوحة حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |