أخبار محلية

مَن دعا إلى جلسة “المساءلة”… مَن استفاد منها أو تضرّر!؟

الجمهورية – جورج شاهين
قبل أن تُعقد جلسة “مساءلة الحكومة” يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، كان اللبنانيون قد اشتاقوا إلى جلسات يتبارى فيها النواب بخطابات شعبوية يعكسون فيها معاناة الناس ويوغلون في تحميل الحكومة المسؤولية، قبل ان ينتهوا إلى إعطائها الثقة. وهو ما عكسته الجلسة الأخيرة بفارق أساسي عندما أحيت هذه الثقة، ما يُعتبر “إقراراً” نيابياً لقراراتها، بما فيها الخاصة بحصر السلاح غير الشرعي بـ “ميثاقية طائفية” لا يمكن إغفالها. وعليه، طُرح السؤال، مَن دعا إلى الجلسة مَن واستفاد ومَن تضرّر؟
بعد 20 يوماً يحيي اللبنانيون الذكرى الثالثة لأولى حلقة من مسلسل حروب “الإلهاء والإسناد والثأر” التي اقتاد فيها “حزب الله” اللبنانيين اليها، بقرار منفرد ولم تنتهِ حلقاته بعد. ذلك أنّه، ومنذ الحرب الأولى في 8 تشرين الأول 2023 وصولاً إلى حرب “أولي البأس” التي تلت اغتيال الأمينين العامين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين في 27 أيلول و3 تشرين الاول 2024، ومعهما عدد من قادته، اضطر الحزب إلى مغادرة الأراضي السورية على عجل، وتحديداً بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024. وهو لم يكن قد لملم الجراح التي تسببت بها حرب السنوات الـ 13 في أرجاء سوريا، ولم يكن قد اطمأن أيضاً إلى مصير الآلاف ممن غادروا سوريا إلى لبنان. وهو ما أضاف نكبة جديدة على لبنان واللبنانيين، الذين لم يخرجوا بعد من أنفاق الأزمات المتناسلة التي عصفت بهم قبل 7 سنوات على الأقل.
ليس في ما سبق محاولة لتأريخ مرحلة قاسية عاشها اللبنانيون، بل للتذكير بأنّ معظم هذه التطورات وما عكسته من تهديدات مباشرة بانهيار البلد ومؤسساته، لم تكن دافعاً كافياً لعقد جلسة نيابية لمناقشة هذه التطورات المتلاحقة، وما تسببت به هذه الحروب من نكبات، إلى أن وجّهت الدعوة إلى الجلسة الأخيرة لـ “مساءلة الحكومة” من دون تحديد المحاور التي يمكن مساءلتها فيها. فقد سبقت الدعوة إليها مطالبات بالمحاسبة لا تُحصى ولا تُعدّ، من كتل نيابية مختلفة، وإن كان معظمها من الكتل والأحزاب المسيحية، فإنّها لم تلق أي ردّ فعل لدى رئيس المجلس نبيه بري، قبل أن يفاجئ الجميع قبل اسبوعين بمثل هذه الدعوة، بعد لقاء جمعه برئيس الحكومة نواف سلام على خلفية البحث المتواصل بين الرجلين في استحقاقات المرحلة المفتوحة على شتى الاحتمالات الخطيرة، بعد شبه القطيعه بين عين التينة وقصر بعبدا، التي تحولت فيها السرايا “وسيطاً” يلعب دوراً لإحياء تعاون مفقود بين أركان السلطات الدستورية الثلاث.
وإلى هذه الملاحظات الأساسية والضرورية، فقد طُرحت الأسئلة قبل الجلسة بأيام قليلة وحتى انطلاقها عن الدوافع اليها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما الذي أراده بري منها؟ وهل يريد إسقاط الحكومة؟ أم انّه يريد فتح الطريق إلى تعديل حكومي، بعدما كثر الحديث عن احتمال طرح الثقة بمجموعة من الوزراء لم يعد من سمّاهم لعضويتها متمسكاً بهم؟ أم انّه يريد ان تكون الجلسة مناسبة ليطل على اللبنانيين بمبادرة ما طال انتظارها من الداخل والخارج؟ وخصوصاً، انّه قد سبق أن أُشير على هامش القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنظيره اللبناني جوزاف عون، بما معناه “انّ بري ينتظر أن تحقق المفاوضات “خطوة إيجابية ما”، ليخوض غمار الخلاص مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأعضائها.
لم تقف الأسئلة عند هذه المجموعة التقليدية، ذلك انّ هناك من راح بعيداً- وقد وُصف بسيئ النية- وقال إنّ بري يريد أن تقدّم الأكثرية النيابية عرضاً قوياً لـ “حزب الله” بأنّها لا تريد المضي في المواجهة المفتوحة مع العدو الإسرائيلي والمجتمع الدولي الذي يبرّر لها جرائمها، فتبدو كتلة نواب الحزب محاصرة في كل ما يمكن أن تشهده الجلسة، وهو باعتباره “الأخ الأكبر” لم يعد قادراً على تحمّل الأعباء التي أُلقيت على الجنوبيين عموماً والشيعة خصوصاً، ومعهم جميع اللبنانيين، ولو بدرجات متفاوتة، وإنّ المبادرات التي تعددت مصادرها، لم تلحظ أي خطوة يمكن تفسيرها بالاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي. وهو ما تترجمه قرارات مجلس الوزراء المتعددة من 5 و7 آب 2025 إلى 2 آذار و8 نيسان 2026، وكلها تحاكي المخرج الأقصر لوقف مسار النكبة التي تعيشها البلاد، من دون مَن تبنّوا نظرية “وحدة الساحات” من ضمن “محور الممانعة”.
وعن الإجابة عن بعض الأسئلة، قال مراقبون إنّ الجلسة انتهت إلى ما يشبه جواباً عن بعض الأسئلة التقليدية منها، من دون أن تصل إلى ما أراده “سيئو النية”، رغم انّ خلاصتها انتهت إلى محاصرة الحزب وكتلته النيابية. فإلى المواجهات التي شهدتها الجلسة، بقيت الحكومة بعيدة من الاستهداف المباشر، بقدر ما شهدت على حروب جانبية وداخلية بين الكتل النيابية، إلى أن جاء استحقاق الثقة فبان المرج، وظهرت النتائج التي يمكن الركون إليها. ذلك أنّ نيل الحكومة ثقة 68 نائباً في مواجهة 12 آخرين من كتلة واحدة، وامتناع اثنين من “التغييريين السابقين”، كان تجديداً للثقة بالحكومة التي تمنتها في هذه المرحلة بالذات وخصوصاً، انّ هناك من يطالبها بأمور كثيرة تعجز عن تلبية جزء منها.
وعليه، فقد خلصت القراءة للأرقام، بأنّ رقم 68 كان متواضعاً، وكان يمكن أن يكون أكبر بكثير، لو حضر النواب الـ126 الموجودون في لبنان بعد وفاة نائب وفرار آخر إلى خارج لبنان. وإن إعطاء نواب “أمل” الثقة، أبطل نظرية “الميثاقية”، وزاد من الحصار على نواب الحزب الذين غادروا الجلسة منعاً لإحراج مؤجّل، أو لأي سبب آخر. وبالتالي فإنّ الحكومة كان يمكنها أن تنال ثقة 110 نواب على الأقل، إن احتُسب العدد القانوني للنواب. كما انّ ثقة نواب “أمل” أنهت جزءاً من التحالف من ضمن “الثنائي الشيعي” حول هذا العنوان على الأقل.
وبالمختصر المفيد، يمكن لأهل السلطة ولرئيس الجمهورية تحديداً ومعه ورئيس الحكومة، أن يصدّقوا انّهم نالوا موافقة نيابية “إضافية”، ولو “متأخّرة”، على قراراتها السيادية بشأن السلاح غير الشرعي. ومن لديه قراءة أخرى يمكنه ذلك. لكن ما يحوط بهذه النتيجة له ما يبرّره ويدعمه ويحميه، في انتظار تطبيق هذه القرارات، قبل أن تضيع الفرصة “الذهبية” أمام لبنان واللبنانيين مرّة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |