كيف نجمّد “الميليشيا” في “الدولة الموازية” ونستعيد السيادة؟

نداء الوطن – ريتا بولس شهوان
إن العلاقة بين حزب الله وإسرائيل في لبنان لم تكن يوماً مجرد صراع عدائي تقليدي بين دولتين أو بين دولة وتنظيم، بل كانت علاقة تفاعلية صدامية مبنية على الـ”تلازم الطردي الوجودي”، مما مثّل القلب النابض لأزمات لبنان المعاصرة. حان الوقت لحل ميليشيا حزب الله كفاعل غير نظامي مسلح وغير مسلح بمؤسساته: الفكرية (عقائدية)، المنصات التي تبث العقيدة وتستخدم الدين وشبكاتها التي اما تعزز الصراع المذهبي او تدير حوار ديني وفق اجندة المحاصصة، العسكرية، والمدنية الخدماتية. ففي هذا التوازن القلق بين ميليشيا لديها فكر امني منتشر بين المدنيين وأدوات عسكرية، ودولة مدججة بالسلاح، كان يتغذى وجود الحزب على “خطر إسرائيل” لشرعنة ترسانته، بينما تستخدم إسرائيل “خطر الحزب” ذريعة لتثبيت تفوقها العسكري وتبرير استراتيجياتها التدميرية لتبني دبلوماسيتها في العالم العربي والغربي وتحقق مصالحها الاستراتيجية. فتعادلة الصهيونية بولاية الفقيه.
وفي خضم هذا الاشتباك، الذي استنزف الدولة اللبناني التي أسسها فؤاد شهاب، تحولت الدولة اللبنانية من صاحبة قرار إلى “رهينة” تستنزف مواردها وتصادر سيادتها من طرفين يتبادلان الأدوار في هندسة هشاشتها، ليستمرا وتضمحل هي ولا تنتشر كوطن له سياسته الخارجية ومصالحه. هكذا أمعنت إسرائيل مؤخراً في تنفيذ تحول استراتيجي عبر “تصدير الهشاشة” من مؤسسات الدولة المهترئة، التي صنعتها سابقا، إلى داخل بنية الحزب الصلبة. لقد استهدفت العمليات الإسرائيلية القيادات واللوجستيات، ناقلةً حالة “غياب الرأس” التي عانت منها الدولة اللبنانية طويلاً إلى قلب “الدولة الموازية”، مما جعل الحزب أمام خيارين أحلاهما مر: إما الانكفاء تحت ضغط التفكك البنيوي، كموسسة، أصلا غير معروف كوعها من بوعها، تعتمد التمدد الشبكي، لا الهيكلية الهرمية، أو التضحية بما تبقى من مقدرات لبنان في مواجهة غير متكافئة بعملية كربلائية، مفادها عدم تسليم السلاح الذي فسر مؤخرا السفير الأميركي (ممثل الرسمي الوحيد للدولة الأميركية في ظل كثرة المحللين الاسترايتيجيين) ميشال عيسى وهو الخيار الأمثل بالنسبة لحزب الله طبعا، لحفظ ما تبقى من دولته الموازية اقله عقائديا ليبىق رابط ما مع ايران!
هذه العلاقة الطردية تخدم مصالح استراتيجية متبادلة؛ فبقدر ما يحتاج الحزب إلى إسرائيل كعدو للبقاء، تحتاج إسرائيل إلى الحزب كـ”خصم” يعزز صورتها كدولة محاطة بالأخطار، تحتاج دعم أميركي ودلع بريطاني، واهتمام الماني، ويبرر ميزانيات تسلحها، ويمنع نهوض لبنان كقوة اقتصادية منافسة في العالم العربي، الامر الذي ما عاد ينطلي على الخليج العربي مع انكشاف امنه القومي نتيجة أيضا تفاعلات بين ايران وإسرائيل على ارضه وتجسس مضاد على الأرض الخليجية اسفرت عن خسائر، تعوّض، لكنه حرفت الأنظار قليلا عن التنمية المستدامة وتعزيز مكانتها في الأسواق العالمية.
لهذا قررت الامارات كدولة خليجية مد اليد الى الصناعة اللبنانية وتعزيز العلاقة عبر زيارة 90 شخصية من كبار رجال الأعمال والمستثمرين والقيادات الإقتصادية الإماراتية حيث التقى رأس المال الإماراتي بالكفاءة اللبنانية. في هذا السياق ما زال النزيف مستمر، مع عدم تجميد كيان حزب الله، مع كل الفرص، تنزف الدولة اللبنانية اليوم وتدفع ثمن هذا “التلازم” الذي يمنع الاستقرار ويحرم البلاد من أن تكون بوابة اقتصادية فاعلة، مما يستوجب استراتيجية وطنية للخروج من هذا المأزق عبر دبلوماسية معاصرة وسحب البساط من تحت الطرفين أي حزب الله ككيان مصغر لإيران وإسرائيل بتلك العلاقة الطردية.
إن الطريق إلى استعادة السيادة يمر عبر عزل الصراع عن العقيدة الإقليمية وصراع الصهيونية وولاية الفقيه، وتحويله إلى قضية سيادة وطنية صرفة، من خلال مطالبة المجتمع الدولي بالالتزام الصارم بالقرارات الأممية بشكل متبادل، ما يحرج إسرائيل دولياً “بمصالحها” ويسحب المبرر “المقاوم” من يد الحزب فتخسر العقيدة بالدين امام المصلحة.
ولم تكن صيرورة لبنان نحو “الدولة الفاشلة”، أي خسارة اقتصادية فادحة بمصالحه، نتاج عجز عفوي، بل هي محصلة عملية “هندسة هشاشة” واعية؛ اكان عبر الحرب، او خرق بيئة المصارف التي تعززت فيها مفاهيم عدم الشفافية، واللاحوكمة، وعدم الامتثال، في ظل الـ “الدولة الموازية”، فكاد مصرف لبنان المركزي يصبح مصيره كمصير مصرف سوريا المركزي أيام بشار الأسد المعاقب بالاعدام من الشعب قبل الحكم. حيث عمد الحزب، بغطاء اندماج الدولة الموازية مصرفيا، مع كل العقوبات، إلى تفكيك احتكار الدولة للخدمات والأمن لصناعة واقع يقتات على الفراغ، مستبدلاً خدمات الدولة العاجزة بشبكات خاصة (كالقرض الحسن)، وهذا تماما استنساخ لنموذج خصخصة الحرس الثوري الإيراني للدولة الإيرانية. ومقنعاً بيئته بأنه يغطي ضعف المؤسسات اللبنانية، علما ان اندماجه بها بكل فكره الأمني، فرغها من مفاهيم عالمية، فتحول الضمانة الوحيدة لـ “أمانهم الموازي”. إن تفكيك هذه المنظومة يستوجب من الدولة اللبنانية، التحول من “مدير للأزمات الإنسانية” إلى “مدير للصراع”، عبر تقديم “بديل وطني” حازم، يتفوق على منطق “الساحات”، وتفعيل شراكات اقتصادية دولية مشروطة بوجود دولة قانون، تجعل السلاح غير الرسمي عبئاً على الاستثمار لا ضامناً للأمن. إن نجاح الدولة في هذه الاستراتيجية يتوقف على استغلال التصدعات في بنية الحزب والضغوط الدولية على إسرائيل لإعادة لبنان إلى خارطة الاستقرار، عبر فرض قواعد اشتباك سياسية تضع حداً للارتهان الأيديولوجي.
إن تحويل حزب الله من “طرف” يفرض المعادلات، إلى “جزء من الماضي”، بما يعادل “اللا- شيء”، هو استحقاق وجودي لا يتم بالشعارات، بل ببناء دولة قوية وعادلة تُدير سيادتها بمعزل عن حسابات الحلفاء والعدو، دولة لا تقبل الشريك في السلاح، ولا ترضى بغير القانون والنمو الاقتصادي المستدام مرجعاً لها. إننا أمام مفترق طرق حاسم: إما التحرر من صراع “الرهينة والخاطف” أو القبول بدور الساحة الدائمة، والقرار يبدأ بامتلاك الجرأة على سحب القرار السيادي من أيدي الطرفين واستعادته إلى مؤسسات الدولة الشرعية.
إن إنهاء حالة حزب الله كفاعل – بجميع أشكاله – هو استحقاق وجودي للبنان. إن هذا التحول لن يتم بالشعارات، بل بـ “هندسة سيادة” تعيد للدولة دورها كأم وراعية، وتجعل من البقاء خارج كنفها خياراً مستحيلاً. لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما استعادة الدولة كمرجعية مطلقة لا تقبل الشريك، أو البقاء رهينة لـ “دولة الهشاشة” التي تلتهم الوطن ومستقبل أبنائه و….. الهبات ايضاّ بـ”تمسكن” حزب الله “الإنساني” اللا انساني بحق المواطن الذي يقدم كل واجباته الوطنية.
لقد انتهى زمن الشراكة مع “الموازي”، واليوم يبدأ زمن “الدولة الوحيدة”.




