ستة أعوام على تشريع القنّب: طائفية في الحشيشة أيضاً!

راجانا حمية – الاخبار
بعد ستة أعوام على صدور القانون 178 المتعلّق بالترخيص لزراعة نبتة القنّب الهندي للاستخدام الطبي والصناعي، وعام على تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لهذه الزراعة، لا تزال المراسيم التطبيقية غائبة، وسط كباش سياسي غير معلن حول طائفة المدير العام للهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنّب الهندي. خسر المزارعون ستة مواسم متتالية، فيما تعدهم الدولة كل عام برعاية هذا القطاع وتنظيمه، ثم تتراجع قبيل انطلاق الموسم. واليوم، يتعزّز اليقين بأن لا استلام هذا الموسم، وربما ليس في المواسم المقبلة، في ظل غياب أي خطوة تنفيذية جدية.
لم يعرف أهل سهل البقاع وجروده نبتةً أكثر ألفةً من القنّب الهندي. وتكاد زراعتها تكون الحرفة الوحيدة التي يتقنها أبناء تلك المنطقة، لا رغبةً منهم في البقاء «طفّاراً ومطلوبين»، بل لأن الدولة لم تقدّم لهم يوماً بديلاً حقيقياً يخرجهم من هذا الواقع.
وعلى مدى سنوات، لم تشهد المنطقة سوى محاولتين خجولتين تحت عنوان «الزراعات البديلة»، لم تعوّضا سنوات الانتظار ولا أعادتا الثقة المفقودة بالدولة. أُسقطت «الزراعات البديلة» على بعلبك – الهرمل من فوق، من دون دراسة جدوى حقيقية، فلم تصب نجاحاً لا من حيث ملاءمتها لطبيعة الأرض والمناخ، ولا من حيث كلفتها المرتفعة التي غالباً ما كانت تتجاوز كلفة زراعة «الحشيشة»، ناهيك عن حاجتها إلى عناية مستمرة ومكلفة، وهو ما لا ينطبق على زراعة الحشيشة التي لا تحتاج إلى كثير من الجهد أو الكلفة.
لذلك تفوق المساحات المزروعة بها في بعلبك – الهرمل، ولا سيما في الجرود ودير الأحمر وغيرها، المساحات المزروعة بالقمح. ولذلك، انتهت معظم المحاولات الأخرى إلى الفشل، سواء تلك التي بادر إليها المزارعون أنفسهم أو التي جاءت بها الدولة. فزراعة دوّار الشمس بديلاً عن الحشيشة لم تصمد سوى موسمٍ واحد، قبل أن تُستبدل بزراعة الشمندر السكري التي لقيت المصير نفسه. وفي السنوات الأخيرة، مع تصاعد حملات التلف والملاحقة، اتجه بعض الأهالي إلى زراعات «شرعية»، كالكوسا والفريز والبندورة والخيار وغيرها، «لكننا بالكاد استرددنا الكلفة»، وفق حسين علّام، ابن سهل مرجحين في جرود الهرمل.
هكذا، كان الخيار الأكثر «أماناً» العودة إلى الحشيشة، التي تُقدَّر مساحاتها المزروعة في المنطقة بنحو 500 هكتار. «بحكم الطقس، ما في زراعة نجحت عنا إلا الحشيشة»، يقول علّام. هذه العودة ليس سببها فقط أن الأرض اعتادت هذه النبتة، بل أيضاً بسبب المردود الاقتصادي. فالحشيشة، بالنسبة إلى المزارع، ضمانة لقمة العيش لعامٍ كامل، بعائد لا يُقارن بأي محصول آخر. ويوضح علّام أن «زراعة نحو خمسين دونماً بالحشيشة تحقق صافي ربحٍ يقارب عشرين ألف دولار سنوياً».
رغم ذلك، لم يرفض الأهالي خيار «الشرعية»، بل واكبوا مشروع القانون 178 حتى إقراره عام 2020. غير أن القانون، بحسب علي زين ناصر الدين، أحد المزارعين في المنطقة، «نام في الأدراج»، وبقي مجمّداً لسنوات، إلى أن أُعيد فتحه في تموز 2025 مع تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنّب الهندي.
استبشر المزارعون حينها خيراً بما اعتبروه استفاقة متأخرة من الدولة لتعيين الهيئة الناظمة، وعدم اتخاذها قراراً بتلف المحاصيل السابقة، «ما أعطى الناس أملاً»، وفق ناصر الدين. غير أن هذا التفاؤل أخذ يتضاءل يوماً بعد آخر، مع استمرار التأخير في إصدار المراسيم التطبيقية التي تجعل القانون نافذاً، وسط كباش سياسي غير معلن حول طائفة المدير العام للهيئة!
وطوال هذه الفترة من المدّ والجزر، منذ عام 2020، كان الأهالي يجهّزون أراضيهم سنوياً ويهيئونها على أمل الفرج الذي لم يأتِ. ومع غياب القرار الحاسم، كانوا إمّا يخزّنون المحصول، أو يلجأ بعضهم إلى بيعه عبر التهريب.
وقبل بداية الموسم الحالي الذي «طار» أيضاً، استعاد المزارعون الروتين نفسه. باشروا تجهيز أراضيهم مبكراً، استناداً إلى وعد رئيس الهيئة الناظمة، داني فاضل، بـ«تأمين شركات تتولى تسلّم الإنتاج». وبحسب ناصر الدين، فقد عمل فاضل على هذا المسار فعلاً، واستقدم شركة كندية أبدت استعدادها لتمويل العملية كاملة. غير أن الآمال سرعان ما تراجعت، بعدما أعادت الأمانة العامة لمجلس الوزراء، في شباط الماضي، مشروع المراسيم التطبيقية لاستكمال بعض النواقص. عندها تلاشى ما تبقّى من أمل لدى المزارعين، ولا سيما أنهم تركوا مساحات واسعة من أراضيهم بانتظار الموسم، على قاعدة أن «التشريع قادم». غير أن الموسم التحق بالمواسم الخمسة السابقة، لتُضاف خسارة جديدة بسبب التأخير الذي يدفع ثمنه المزارعون وحدهم.
مع ذلك، حاول المزارعون تدارك الخسارة، فعقدوا قبل بداية الزرع لقاء موسّعاً في بلدة السعيدة البقاعية، ضمّ مزارعين من الهرمل وبعلبك ودير الأحمر وبوداي والسعيدة والسهل، قرروا خلاله تحضير جميع الأراضي الزراعية تمهيداً لزراعة نبتة القنّب للاستخدامين الطبي والصناعي. هكذا، رسم المزارعون خطتهم للحفاظ على لقمة عيشهم، من دون الاكتراث بما إذا كان هذا القرار سيُفسَّر على أنه تحدٍّ للدولة أم لا. فما يعنيهم في هذه المرحلة هو «تحمّل المعنيين مسؤولياتهم كاملة، والاضطلاع بدورهم في رفع الحرمان المزمن عن المنطقة، والعمل الجدي والسريع لتسهيل انطلاق الزراعة هذا العام، بما يلبّي تطلعات المزارعين ويصون كرامتهم وحقهم في العيش الكريم». كما تقرّر تشكيل لجنة خاصة منبثقة عن اللقاء، تتولى «إجراء زيارات عاجلة إلى الرؤساء الثلاثة، لوضعهم أمام مسؤولياتهم الوطنية، والدفع نحو اتخاذ قرار فوري يتيح المباشرة بالزراعة هذا العام، وإنقاذ هذا القطاع الحيوي قبل فوات الأوان». غير أن ذلك لم يحدث.
عراقيل تطيح بالقانون
خلال الفترة التي تلت تعيين أعضاء الهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنّب الهندي، تعرّف المزارعون إلى رئيسها داني فاضل وعضو الهيئة الخبير في القنّب الطبي الدكتور محمد مروّة، بعد زياراتهما المتكرّرة إلى المنطقة للاطلاع على واقع الزراعة وأوضاع المزارعين.
ومن خلال 12 دراسة أجراها مروّة ونُشرت في مجلات علمية عالمية، إضافة إلى أربع دراسات قيد النشر، «ثبت بالدليل» أنّ هذه النبتة تستوفي الشروط المطلوبة، إذ تحتوي على المواد الفعّالة اللازمة، ولا سيما مركّبي CBD وTHC. غير أنّها، شأنها شأن أي مجال علمي، لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسات قد تأخذ مدى زمنياً من عامين إلى ثلاثة أعوام لمراقبتها وإجراء فحوص جينية وكيميائية لها لتحسين نوعيتها.
ولكي يضمن مروّة «حقّ» المزارعين، يحضّر اليوم تقريراً علمياً يشرّح النبتة الحالية وكيف يمكن الإستفادة منها طبياً. وأشار مروّة إلى أنّ بعض الجهات اعترضت على نبتة القنّب المزروعة حالياً في لبنان بحجّة أنّها غير صالحة للاستعمال الطبي لاحتوائها على نسبة مرتفعة من الـTHC. إلا أنّه لفت إلى أنّ هذه المادة تُستخدم أيضاً في المجال الطبي، وأنّ هناك أدوية، مثل Marinol وSyndros وCesamet، معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، تحتوي على مادة THC وحدها. كما توجد دراسات موثّقة تُبيّن أهمية الـTHC في معالجة عوارض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
وإذ لا توصد الهيئة الباب في وجه البذرة المستوردة، إلا أن مروّة لا يرى مانعاً من اعتماد النبتة المزروعة حاليًا كخيارٍ أول، طالما أنّها تستوفي الشروط المطلوبة. وهذا لا يعني وضع «فيتو» على المستورد، وإنما من باب حفظ الحقّ وكون النبتة الوطنية أكثر تأقلماً مع المناخ والطبيعة، خصوصاً أنّ القانون لحظ إمكان استيراد الشتول لمن يرغب، ولكن ضمن ضوابط محدّدة.
ولكن، على قاعدة «لا تقول فول حتى يصير بالمكيول»، تنتظر الهيئة بدء التطبيق كي تنطلق بجدول أعمالها التفصيلي، مع استكمال تشكيل أقسامها، ومنها قسم الإشراف. عندها يصبح ممكناً إجراء دراسة وطنية شاملة، تتضمن مسحاً جينياً وكيميائياً للبذور ولنبتة القنّب المزروعة في مختلف المناطق اللبنانية، بهدف تحديد النوعية الأفضل. هذا الطرح يكرّره مروّة وفاضل في كل اجتماع يُعقد لمناقشة الملف، ولذلك لا يجد مروّة إشكالية علمية في موضوع النبتة بحد ذاته، ما يدفعه إلى المطالبة المتكررة بالبدء بالتطبيق.
فما الذي يعرقل إذاً؟
من خلال تتبّع مسار قانون القنّب الهندي، يتبيّن أنّ الأزمة لم تعد مرتبطة بصلاحية النبتة، بل ثمة بُعد سياسي واضح. إذ يدور خلاف غير مُعلن حول طائفة المدير العام، بين من يطالب بأن يكون المنصب من حصّة السنّة، ومن يصرّ على أن يكون للشيعة، في حسابات ضيّقة «يُراد منها تحويل القنّب إلى ريجي 2»! يُضاف إلى ذلك سعي بعض الجهات، وبينها سياسيون، إلى محاربة زراعة النبتة المحلية، في محاولة للترويج لتجارة البذور التي يستفيد منها كبار الملّاكين والتجّار. هذه العوامل مجتمعة تساهم في تأخير صدور المراسيم التطبيقية.
ورغم مرور ستة أعوام على إقرار القانون، وأكثر من عام على تشكيل الهيئة، وتسعة اجتماعات عقدها هؤلاء «مجاناً» من دون أن يتقاضوا أي رواتب أو مخصّصات، لم يصدر شيء حتى الآن. أما آخر المستجدات، فهو ما وعد به أعضاء الهيئة بعودة مشاريع المراسيم من مجلس الخدمة المدنية مع الملاحظات، لكي تعمل الهيئة على إرسال ملاحظاتها بدورها، فيما لم تأت الأجوبة من الوزارات المعنية ومجلس شورى الدولة. أما التقدم الوحيد الذي حصل، فهو توقيع اتفاقية استثمار بقيمة عشرة ملايين دولار مع شركة صينية لإنشاء أول مختبر عام في البلاد، على أن يكون في الجامعة اللبنانية، ويتم تخصيصه لإجراء الأبحاث والفحوص للقنب للإستخدامات الطبية. وفي هذا السياق، تلمّح مصادر إلى احتمال ان يشتعل فتيل أزمة جديدة مع محاولة تخصيص أرض في عاليه لانشاء معمل الفحص، علماً «أن المنطق يفرض أن يكون المعمل في مكانٍ قريب من زراعة النبتة».
وما يعزّز الاعتقاد بأن القانون سقط في زواريب الحسابات الضيّقة ما شهده آخر اجتماع عقدته لجنة الزراعة والسياحة النيابية، قبل اندلاع الحرب، بحضور رئيسها أيوب حميد، والنائب أنطوان حبشي، ومزارعين وممثّلين عن الهيئة الناظمة، بينهم فاضل ومروّة.
أولى الإشارات التي التقطها المزارعون كانت ترحيل بند القنّب الهندي من بداية جدول أعمال مجلس النواب في كانون الثاني الماضي، إلى نهايته. فقد أصرّ حميد على الالتزام أولًا ببندي البطاطا والاستيراد، وهكذا، وصل النقاش إلى ملف القنّب «بلا نصاب»، ولم يبقَ في نهاية الجلسة سوى وزير الزراعة نزار هاني، فيما هاجم حبشي فاضل ومروّة، مشكّكًا بنتائج الفحوص المخبرية التي أجرتها الهيئة في مختبرات وجامعات لبنانية، وهو ما رأى فيه المزارعون، عملياً، «تطيير القانون»، وإسقاط أي أمل بالزراعة هذا الموسم وحتى بعده. وزاد من هذه الشكوك حضور مزارعين من «غيلان زراعة البطاطا»، دعوا إلى استيراد بذور أجنبية تفوق كلفتها قدرة المزارعين، ما يهدّد المشروع برمّته، بحسب علي ناصر الدين.
ويلفت إلى أن «الغيلان» تقدّموا، منذ صدور القانون، بطلب تأسيس نقابة لدى وزارة العمل، «من باب فتح باب تجارة جديدة؛ فكما يتاجرون ببذور البطاطا سيتاجرون ببذور القنّب». وهنا مكمن القلق الأساسي: فتح باب الاستيراد على مصراعيه سيُنتج فئة من التجّار من جهة، ويُقصي النبتة المحلية من جهة أخرى. إضافة إلى ذلك، فإن الاستيراد بلا ضوابط سيؤدي إلى تعزيز حضور النبتة المستوردة بما تحمله من أعباء مالية، سواء لجهة ارتفاع سعرها أو لقِصر دورة صلاحيتها، إذ يتعيّن على المزارع تجديد الشتول سنوياً.
وفي ظل هذا المشهد، تغيب الإرادة السياسية الحاسمة لإطلاق المشروع، فيما يبقى المستفيد الفعلي، بحسب المزارعين، «التجّار الذين يشترون المواسم بثمن بخس ويبيعونها بأضعافه».
لا سلالة واحدة من القنب
يحسم مروة بأن لا سلالة واحدة من القنب الهندي مناسبة لجميع الاستخدامات الطبية، فالتركيبة الكيميائية المكونة من CBD وTHC هي التي تحدد الاستخدامات العلاجية. فعلى سبيل المثال، هنالك المستحضرات الغنية بـCBD، وتستخدم لعلاج بعض أنواع الصرع عند الاطفال، وحالات القلق، وهناك المستحضرات التي تحتوي على نسب متوازنة من CBD وTSH والتي تُستخدم بشكل رئيسي في معالجة الألم العصبي والتصلب اللويحي. أما المستحضرات الغنية بـ THC فتُستخدم بصورة رئيسية في بعض حالات الألم الشديد والغثيان والقيء الناتجين عن العلاج الكيميائي وفقدان الشهية.
ومن هذه الأمثلة، يمكن استخلاص العبرة التالية: القنب المزروع في لبنان فيه تنوع ويحتوي على سلالات غنية بـCBD وأخرى غنية بـTSH وسلالة ثالثة تحتوي على نسبة متوازية من CBD وTHC. ولذلك، لا مانع من استثمار هذه الميزة.




