Featuredأخبار محلية

ملف المحميات: ماذا وجدنا عندما فتحنا الخرائط؟

بين أرقام تتطاير على مواقع التواصل وقوانين صدرت بلا خرائط… تحقيق في القصة الكاملة لمراسيم المحميات الإحدى عشرة

انفجر ملف المحميات الطبيعية خلال أيام قليلة. أرقام عن آلاف الهكتارات “المقضومة”، صور مقصّات تقطع خريطة لبنان، اتهامات بالكذب والتواطؤ، ثم سحب بند مشاريع مراسيم خرائط إحدى عشرة محمية من جدول أعمال مجلس الوزراء لاستكمال البحث. وسط هذا الضجيج، طرحنا سؤالاً بسيطاً: ماذا تقول الوثائق فعلاً؟

قرأنا قوانين إنشاء المحميات، قارنّا الخرائط القديمة بالمقترحة، استمعنا إلى لجان المحميات وإلى المسؤولين التقنيين، وتتبّعنا مصدر الأرقام المتداولة. وهذا ما وجدناه.

قوانين بلا خرائط
تبدأ القصة قبل عقود. القوانين التي أنشأت معظم المحميات قبل العام 2014 حدّدت نطاق كل محمية في مادتها الأولى بعبارات عامة: شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. ونصّت على أن مشاعات القرى وأملاك الدولة داخل هذه الحدود تُعدّ محمية طبيعية. لكنها لم تُرفق بأي خريطة عقارية تبيّن هذه الحدود بدقة.

في العام 2009 صدرت الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية. ظهرت فيها المحميات، وفق مصدر في وزارة البيئة، على شكل دوائر فوق خريطة بمقياس 1 إلى 200 ألف. وعلى هذا المقياس، تكفي إزاحة صغيرة على الورق لإدخال قرى أو عقارات لم يشملها القانون أصلاً.

النتيجة مساحات “متداولة” لا تطابق ما يحميه القانون فعلاً. أملاك خاصة ومشاعات بلدات غير مذكورة في القوانين وجدت نفسها داخل المحميات على الورق. نزاعات عقارية مستمرة منذ عشرات السنين. ولجان محميات تحاول إدارة أراضٍ لا تعرف حدودها القانونية بدقة.

من طلب الخرائط الجديدة؟
تؤكد وزارة البيئة أن مشاريع المراسيم أُعدّت تجاوباً مع طلب لجان المحميات نفسها، استناداً إلى قوانين الإنشاء والمستندات العقارية الرسمية. وتوضح رئيسة دائرة الأنظمة الإيكولوجية في الوزارة لارا سماحة أن الفارق في الأرقام ناتج عن أعمال تحرير وتحديد امتدت نحو عشر سنوات. أما الهدف، بحسب الوزارة، فتثبيت الحدود القانونية بدقة، كي تتمكن اللجان من إدارة المحميات ومراقبتها ومنع التعديات عليها. فلا حماية فعلية لأرض لا يُعرف أين تبدأ وأين تنتهي.

تكريس للقانون، لا تعديل له
الاتهام الأبرز أن الوزارة “تعدّل القانون بمرسوم”. الوثائق تقول غير ذلك. مشاريع المراسيم لا تمسّ قوانين الإنشاء، بل ترسم على الأرض ما نصّت عليه تلك القوانين. ولا تُسقط الحماية عن أي أرض مشمولة بها قانوناً. أما الأملاك الخاصة التي أُدخلت سهواً في الخرائط القديمة، فاستبعادها لا يعني أنها بلا قيمة بيئية. قانون المناطق المحمية رقم 130 لعام 2019 يتيح إنشاء محميات على أملاك خاصة وفق أصول محددة. والوزارة وجّهت دعوة علنية لكل مالك يرغب في ذلك لتقديم ملفه، على أن تواكبه تقنياً. وبحسب أرقام الوزارة، يزيد مجموع مساحات المحميات الإحدى عشرة في المشاريع المقترحة بأكثر من ألفي هكتار.]

الشوف: محمية القانون ومحمية الأونيسكو
الرقم الأكثر تداولاً يخص محمية أرز الشوف: 15 ألفاً و647 هكتاراً سابقاً، مقابل 9962 هكتاراً في الخريطة المقترحة. لكن مصدراً في الوزارة يشير إلى خلط شائع بين المحمية كما حدّدها القانون 532 لعام 1996، والنطاق الأوسع الذي أعلنته الأونيسكو محمية للمحيط الحيوي عام 2005. لجنة المحمية نفسها حسمت المسألة في بيان علني. أكدت أن تصنيف الأونيسكو يكمّل الحماية القانونية ولا يغيّر حدودها، ولا طبيعة الملكيات الواقعة خارجها. وتوجّهت بالشكر إلى وزارة البيئة على “تعاونها البنّاء” في دعم المحميات.

وزير الزراعة نزار هاني، وهو ادار محمية أرز الشوف، شرح في حديث مع النهار أن المحمية تنقسم وفق القانون 532 إلى منطقة حماية ومنطقة حزامية تغلب عليها الأملاك الخاصة. ويرى أن الإشكالية الأساسية تتركز في عين دارة، حيث تتداخل الحدود مع عقارات مشاعية ملاصقة لنطاق الكسارات. أمام الدولة خياران: ضم الأملاك الخاصة واستملاكها مع تعويض أصحابها، أو التوافق مع البلدية على تثبيت الحدود. ويقول إنه تمنّى شخصياً أن تمتد المحمية حتى ضهر البيدر، لكن وزارة البيئة لا تستطيع تحمّل استملاك ملايين الأمتار المربعة من دون قرار حكومي بتخصيص الأموال.

صور: المحمية تتسع نحو البحر
في محمية شاطئ صور، يتحدث المعترضون عن تراجع المساحة البرية من 380 هكتاراً إلى نحو 180. الخريطة المقترحة، كما نشرتها الصحافة، تُظهر صورة مختلفة: مساحة إجمالية تتجاوز 12 ألف هكتار، بعد ضم النطاق البحري حتى المياه الإقليمية. وتوضح لارا سماحة أن الوزارة حدّدت العقارات الشاطئية بدقة، واستبعدت عقاراً تبيّن أنه أُدرج سهواً داخل المدينة ومخيم الرشيدية. بعبارة أخرى: ما خرج من الخريطة لم يكن رمالاً ولا موائل، بل أحياء سكنية.

إهدن: مسودة لم تُعتمد
في حرج إهدن، تداولت مواقع التواصل خريطة تُظهر 1410 هكتارات بدل 1700. إدارة المحمية أصدرت بياناً واضحاً: الخريطة المتداولة “ليست قراراً ولا مرسوماً ولا خريطة نافذة”، ولا تتمتع بأي مفعول قانوني. وأكدت أنها تواصلت مباشرة مع الوزيرة، التي شددت على حرصها على عدم تجزئة المحمية أو تقليص مساحتها. بل ذهبت الإدارة أبعد. رفضت ربط الخريطة بأي دوافع ديموغرافية أو طائفية أو مناطقية، أو بمشاريع سياحية وإنشائية، معتبرة أن هذه الروايات لا تستند إلى أي معطيات رسمية. وأعربت عن “ثقتها الكبيرة” بالوزيرة.

ماذا تقول الوزيرة؟
في بيان وزعته على الاعلام، اعتبرت وزيرة البيئة تمارا الزين أن المحمية لا تُقاس بمساحة مرسومة على الورق، بل بما تصونه من غابات وموائل وتنوع بيولوجي، وبالقدرة على منع التعديات عليها وتأمين إدارتها. واستندت إلى سجل ملموس. فقد أعادت إدراج المساهمات المالية للمحميات في موازنة الوزارة بعد غياب لأكثر من عشر سنوات. وأُعدّت في عهدها خطط إدارة وإرشادات لعدد منها. وأقرّ مجلس الوزراء مرسوم المحميات الصغيرة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض، واستراتيجية لبنان وخطته للتنوع البيولوجي 2025-2030. كما تعمل الوزارة على إطلاق أول منتزه طبيعي في لبنان، وتوسيع شبكة المناطق المحمية التزاماً بهدف حماية 30 في المئة من المساحات البرية والبحرية بحلول 2030. وتجاوز عدد الحِمى البلدية الستين. وتؤكد الوزيرة أن أبوابها مفتوحة أمام الخبراء والقانونيين والهيئات البيئية للاطلاع على الخرائط ومناقشتها علمياً وقانونياً.

خلاصة التحقيق
ما وجدناه هو ملف تقني وقانوني يصحّح خللاً عمره عقود، طالبت به لجان المحميات، ويحظى بدعم علني من أبرز المعنيين به. خريطة إهدن سُحبت قبل أن تولد. خريطة صور تضاعفت مساحتها بحراً. وخريطة الشوف تفصل بين ما يحميه القانون وما صنّفته الأونيسكو.يبقى سؤال واحد: لماذا تحوّل ملف تقني إلى حملة تطالب بـ”إسقاط” الوزيرة؟ هذا ما نجيب عنه في الحلقة الثانية من هذا التحقيق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |