أخبار محلية

برّي يُطمئن ويكتا يُحذّر… هل تُفتح أبواب جهنّم على الجنوب؟

مرّت ثلاثة أسابيع على ظهور حسين يكتا، القيادي في الحرس الثوري الإيراني، على ضفاف نهر الليطاني، في مشهد لم يكن مجرد لقطة عابرة لشخص يتوضأ قبل الصلاة. فالرجل اختار أن يوجّه من الأراضي اللبنانية رسالة مباشرة إلى إسرائيل، مستحضرًا دجلة وكربلاء وإعدام صدام حسين، قبل أن يعلن: “أتوضأ الآن أمام أعين الإسرائيليين في هذا النهر، وسنصلي في القدس”.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

قيادي في الحرس الثوري الإيراني يصل إلى لبنان، ويتنقل في بيروت والجنوب، والسلطات اللبنانية لم تقدّم توضيحًا رسميًا.

فحتى الآن لا أجوبة على مجموعة من الأسئلة: من الذي فتح الطريق أمام يكتا؟ وكيف دخل إلى لبنان؟ وهل كانت السلطات اللبنانية على علم بوصوله وتحركاته؟

وتزداد خطورة القضية في هذه المرحلة الدقيقة، وعلى وقع تلويح الولايات المتحدة بتوجيه ضربة جديدة إلى إيران.

كما أن الحكومة اللبنانية كانت قد قررت إعادة فرض تأشيرات الدخول على المواطنين الإيرانيين، كما أعلنت في آذار 2026 منع أي نشاط للحرس الثوري الإيراني في لبنان. ومع ذلك، وصل يكتا، المدرج أيضًا على لائحة العقوبات الأوروبية، إلى بيروت وظهر في جنوب لبنان.

التعبئة العقائدية قبل المعركة

بحسب تقرير نشره مركز ألما الإسرائيلي، يرتبط يكتا بأنشطة التجنيد والتعبئة والتلقين العقائدي داخل الحرس الثوري. وذهب التقرير إلى أن زيارته قد تكون مرتبطة بمحاولة رفع معنويات “حزب الله” وتعزيز الروابط الأيديولوجية معه، بالتوازي مع جهود إعادة بناء قدراته العسكرية. كما أورد معلومات عن لقاءات وتوجيهات محتملة تتصل بإحياء مفهوم وحدة الساحات وتعزيز التنسيق بين أطراف ما يُعرف بمحور المقاومة.

فإعادة بناء القدرات العسكرية ليست مسألة تقنية محضة؛ إذ تحتاج أي منظومة مسلحة إلى تماسك تنظيمي، وبيئة حاضنة، وخطاب يفسّر التضحيات ويبرّر الخيارات. ومن هنا، قد تكون التعبئة العقائدية جزءًا من محاولة أوسع للحفاظ على تماسك شبكة النفوذ الإيراني.

تطمينات تثير المخاوف والعبرة كانت في آذار 2026

تكشف معلومات مقرّبة من الثنائي الشيعي أن تطمينات تلقّاها رئيس الجمهورية جوزاف عون وصلته عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري نقلا عن “حزب الله”، توحي بأن الأخير لن يتدخّل هذه المرة إسنادًا لإيران إذا اندلعت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وحتى لو انضمّت إسرائيل إلى المعركة. ويصف مصدر وزاري هذه التطمينات بأنها لا ترقى إلى مستوى التطمينات الفعلية. وعاد بالذاكرة إلى آذار الماضي، يوم كانت هذه التطمينات موجودة أيضًا. وعلى الرغم من ذلك، جاء الإسناد الثاني بإطلاق 6 صواريخ انتقامًا لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. ويعتبر المصدر الوزاري أن “حزب الله” ذراع إيران في لبنان، ويوم تقرّر طهران التدخّل ستُطلق الصواريخ حتى لو كان نعيم قاسم يتردّد في ذلك. ويكشف بأن دخول “حزب الله” الحرب هذه المرة يعني انفجار الأزمة علنًا بين “الثنائي” الشيعي والبيئة الشيعية، وسيمثّل ذلك سقوط آخر خيط مع الدولة وفتح أبواب جهنم على الجنوب ولبنان.

لماذا الليطاني تحديدًا؟

السؤال الأهم: ما العلاقة بين رسالة يكتا عبر الليطاني وإمكانية انخراط “حزب الله” مجددًا في حرب إسناد جديدة؟
بالتأكيد، لم يختر يكتا مكانًا عابرًا ليصوّر رسالته. فالليطاني ليس مجرد نهر في جنوب لبنان؛ إنه أحد أبرز العناوين الجغرافية والسياسية المتعلقة بمستقبل السلاح وانتشار الجيش اللبناني وتنفيذ الالتزامات الدولية المرتبطة بالجنوب.

ومن هذه البقعة تحديدًا، اختار القيادي الإيراني أن يستحضر ذاكرة الحرب مع العراق، وأن يربطها بكربلاء والقدس، ثم أن يوجّه خطابه إلى الإسرائيليين.

بهذا المعنى، تجاوز المشهد حدود الرسالة الدينية، ليصبح إعلانًا تعبويًا ذا مضمون سياسي واضح. فالرجل لم يكتفِ بتصوير نفسه في لبنان، بل وضع وجوده في سياق مواجهة إقليمية، مستخدمًا الجغرافيا اللبنانية لإيصال خطاب إيراني يتصل بإسرائيل والقدس.

وقد تناسى يكتا أن للنهر ضفتين، لكن ليس له سيادتان. وللماء وجوه كثيرة، لكنه لا يحمل هوية من ينحني فوقه. وصورة حسين يكتا يتوضأ عند ضفافه لا تمنح إيران موقعًا فيه، ولا يمنح الوضوء صاحبه ولاية على الماء.

فضفاف الليطاني ليست مواقع إقليمية، وحوضه ليس منصة تعمل لولاية الفقيه، وأهل الجنوب أصحاب بيوت وحقول وأرزاق وذاكرة، لهم الحق في أن يعيشوا على أرضهم بأمان، وأن يقرّروا مستقبلهم في دولة تملك قرارها.

لقد حمّلوا الليطاني أكثر مما يحتمل: تلوّثًا وعدوانًا وتهجيرًا وخرائط نفوذ. ثم جاؤوا يحمّلون ماءه رسائلهم، كأن هذا النهر وُجد ليشهد على مشاريع الآخرين.

في أي حال، بين تطمينات بري ورسالة الحرس الثوري، ما علينا سوى انتظار قرار يصل إلى “حزب الله” عبر مضيق هرمز ليقطع مضيق باب المندب وصولا إلى ضفاف الليطاني. فلننتظر.

المصدر: نداء الوطن – نخله عضيمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |